مقالة عن كتاب (الطريق التَعِبْ).
صحيفة المدينة
د. فهد العبري
نشرت يوم الأحد, 19 أكتوبر 2008م
---------------------------------------------------------------
---------------------------------------------------------------
إننا بحاجة إلى جهود المترجمين من أمثال الأستاذ
القرشي وغيره من الشباب في نقل روائع الأدب العالمي إلى لغتنا العربية. فهذه الأعمال
في نهاية المطاف قنوات اتصال بين ثقافتنا والثقافات العالمية.
لا يخفى على أحد أهمية عملية الترجمة على مر التاريخ
كعملية تثاقف بين الشعوب. فعن طريق الترجمة يتم النفاذ إلى عقلية الثقافة المترجم عنها
ومعرفة دهاليزها مما يسهل عملية التواصل بين الحضارات والثقافات. وفي عالمنا اليوم
تكتسب الترجمة أهمية كبرى باعتبار الحاجة إلى معرفة الآخر والتواصل معه في عصر قربت
فيه تكنولوجيا الاتصال بين مختلف شعوب العالم. فأصبح العالم قرية كونية يحتاج سكانها
إلى معرفة بعضهم البعض. وبذلك تعد الترجمة مدخلا مهما من مداخل حوار الحضارات وانفتاح
الثقافات على بعضها البعض بعيدا عن خطر طمس الهويات وتهديد الخصوصيات التي مافتئت تروج
لها بعض المؤسسات غير المسؤولة. فعندما يزداد التواصل مع الآخر، تبرز أهمية التعرف
عليه. ولعل أهم المرايا التي تعكس ثقافات الشعوب مرآة الأدب. فالأدب هو التعبير الصادق
عن الثقافة المنتجة له. فهو يلامس حياة العامة ويصورها من زواياها المختلفة. مثل هذه
الحقيقة تنبه لها العرب منذ القدم فترجمت الدواوين في عهد الدولة الأموية. كما اهتم
بعض خلفاء بني أمية بالترجمة. إلا أن الترجمة لم تزدهر قبل أيام بني العباس. ومرد ذلك
حب خلفاء الدولة العباسية للعلم وتوسع الدولة واحتكاكها مع الكثير من الثقافات المختلفة
كالثقافة الفارسية والرومانية. حيث دعت إليها الحاجة الماسة بعد اتساع رقعة الدولة
نحو الشرق والغرب. من هنا قام العرب بترجمة العلوم اليونانية سواء في الطب أو الفلك
أو الرياضيات أو الموسيقى أو الفلسفة. كما ترجمت بعض الأعمال الأدبية الفارسية، فترجموا
عن اليونانية. ولقد بلغت الترجمة عصرها الذهبي في عصر الخليفة هارون الرشيد. فقد كان
الرشيد يمنح بعض المترجمين مثل حنين بن اسحق ما يساوي وزن كتبه المترجمة إلى العربية
ذهباً. وفي عهد المأمون تم إنشاء دار الحكمة في بغداد وفي القرن التاسع الميلادي، قام
العرب بترجمة معظم مؤلفات أرسطو وغيرها الكثير من المؤلفات اليونانية. وقد تعرضت الأصول
اليونانية المترجمة إلى الضياع، فأعيدت إلى اللغة اليونانية عن طريق اللغة العربية.
وبذلك ساهم العرب بترجمتهم هذه المؤلفات في حفظ هذا الإرث الإنساني من الضياع. وفي
العصر الحديث هناك العديد من الجهود الجيدة من قبل الدول العربية في مجال الترجمة.
لكن أهم هذه الجهود هي جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية
للترجمة. حيث تعتبر هذه الجائزة ثمرة لجهوده الكبيرة حفظه الله في نقل المعرفة وتبادل
الخبرات بين الشعوب. وذلك لتعزيز الحوار بين الحضارات لما فيه من خير وسعادة الإنسانية
جمعاء. ما دعاني لكتابة هذه المقدمة عن الترجمة هو ذلك الكتيب الجميل الذي وقع في يدي
مؤخراً. والذي يحمل عنوان «الطريق التعب» وهو بقلم الأستاذ خلف سرحان القرشي. هذا الكتاب
من مطبوعات النادي الأدبي بالطائف عام 1415هـ. وهو يقع في 132 صفحة من الحجم المتوسط
وقد استهله المترجم بمقدمة توضح أهمية الترجمة في هذا العصر الذي أصبح العالم فيه قرية
كونية صغيرة يتقاسم سكانها الكثير من الهموم والأفراح والأتراح. وقد اشتمل الكتاب على
ترجمة اثنتي عشرة قصة. جاءت هذه القصص موزعة على خمسة فصول. فقد خصص الفصل الأول للأدب
الانجليزي وشمل ثلاثة قصص هي أبداً، السفرجلة اليابانية، التابع. أما الفصل الثاني
فكان من الأدب الأمريكي وشمل القلب المخبر، الطريق التعب، مطالب، قصة ساعة. وقد خصص
الفصل الثالث للأدب الروسي واشتمل على ثلاث قصص: أيد من ذهب، المشكلة الوحيدة، شقائق
النعمان. وترجم من الأدب الفرنسي قصة واحدة في الفصل الرابع وهي رجل عجوز. أما الفصل
الخامس فقد خصص للأدب المكسيكي واحتوى على قصة واحدة هي «الباقة الزرقاء». ولعل مما
يميز هذا الكتاب هو تنوعه في اختيار القصص المترجمة حيث لم تقتصر الترجمة على أدب بعينه.
بل شمل ترجمات عن الأدب الانجليزي والأدب الأمريكي والأدب الروسي والأدب الفرنسي والأدب
المكسيكي. وهذا بلا شك فيه إثراء لثقافة القارئ الذي يستطيع ومن خلال هذا التنوع التعرف
على جوانب متعددة من ثقافات مختلفة. كما أن حرص المترجم على إعطاء نبذه عن كل مترجم
في نهاية كل قصة قد أضفت ميزة أخرى على هذا العمل. كما يتميز الكتاب بلغته السهلة والسلاسة
في العرض. ولعل خبرة المترجم في حقل الترجمة كانت وراء تميزه في اختيار المفردات المناسبة.
إننا بحاجة إلى جهود المترجمين من أمثال الأستاذ القرشي وغيره من الشباب في نقل روائع
الأدب العالمي إلى لغتنا العربية. فهذه الأعمال في نهاية المطاف قنوات اتصال بين ثقافتنا
والثقافات العالمية. ويجب ليس فقط إبقاء هذه القنوات مفتوحة بل والعمل على تنميتها.
Alabri3@hotmail.com
------------------------------------------------------------------