الثلاثاء، 18 فبراير 2020

استنساخ

استنساخ
ق. ق. ج
********
كثيرًا ما كان أهله ومعلمه يلقبونه حمارًا أو جحشًا لقلة فهمه. تجاوز ذلك كله، وكان من الأوائل على زملائه في المرحلة الثانوية والجامعية. وتفوق بعد ذلك في تخصص طبي دقيق ونادر. وكان لتخصصه احتياج ملحوظ لدى وزارة الحرب في بلده لأنه يتعلق بتطوير نماذج متطورة من فيروسات يمكن استخدامها في إنتاج أسلحة بيولوجية. لذلك قررت وزارة الحرب استنساخه.

استغرقت عملية الاستنساخ أكثر من ثلاثة أيام بليالهن، وعمل فيها أكثر من ثلاثين طبيبًا وعالمًا. وبينما كان الكل متلهفًا لرؤية كيف تبدو النسخة المستنسخة منه، فوجئوا بحمار ضخم الجثة قوي العضلات يملأ أرجاء المستشفى نهيقًا.
******************

السبت، 15 فبراير 2020

رائد فضاء

رائد فضاء
ق.ق.ج
                                                 *********************
     حسده زملاؤه العلماء عندما اختارته وكالة الفضاء الوطنية من بينهم ليرود الفضاء في مركبة، ويجري أبحاثًا، ويجمع معلومات عن كوكب المريخ. كان من المقرر أن تستمر رحلته تلك عامًا كاملًا. لكن نظام الحكم في البلد تغير، وسيطر العسكر على مقاليد الأمور. كانت عودة الرائد تقتضي أموالًا لم تعد متوفرة لدى الوكالة. راح شتاء، وأعقبته شتاءات أخرى، وما زال الرائد يسبح في الفضاء.
                                            ****************************

الخميس، 6 فبراير 2020

"سيرة ثلاثة أيامٍ بليالهن في الرياض"


                                     (قولوا لأهل ذيك المرابع والديار)
                                    "سيرة ثلاثة أيامٍ بليالهنّ في الرياض"
                                    *******************
                                                                    بقلم/
                                                             خلف سرحان القرشي
    -------------------------------------------------------------------------
         الإثنين والثلاثاء والأربعاء الماضية كانت من أيام عمري الهاربة التي تمنيت لها البقاء والدوام طويلا. ولكن هيهات!
         استقليت - (حلوة ... "استقليت" هذه)! - رحلة الطائف – الرياض التي تقلع صباح يوم الإثنين إلى الرياض. أثناء الرحلة شُغِلتُ بتنقيح (المحاضرة) التي ألقيتها مساء ذلك اليوم في جمعية الثقافة والفنون، والتي وفقت فيها كثيرًا بفضل الله سبحانه وتعالى، ثمَّ بفضل تفاعل جمهورها القليل عددًا الكثير وعيًّا وجمالًا.
"تعيِّرنا أنَّا قليلٌ عَدِيْدُنَا
فقلت لها إنَّ الكرام قليلٌ"
والشكر موصول للدكتور فهد العتيبي مسؤول النشاط الثقافي بالجمعية، وللدكتورة منال الرويشد مديرة الأمسيَّة التي أطرتني كثيرًا نبلًا وكرمًا منها وهي تقدمني. وشكرًا أيضًا للفنان القدير الأستاذ علي إبراهيم الذي شرفني بحضوره. وشكرًا للابن الأستاذ حمد الذي أعدَّ لي عرض مرئيًا مميزًا (باوربوينت) للمحاضرة ساعدني كثيرًا.
وشكرًا يبلغ عنان السماء لكل أصدقائي الذين حضروا خصيصًا لمؤازرتي نفسيًا ومعنويًا ومنهم – مع حفظ الألقاب- (محمد العتيق – ماجد البيز- طلق المرزوقي – مسرع العامري – عبد العزيز الحربي – عبد المجيد العصيمي – سيف الزهراني- فؤاد الزهراني) بجانب ابني (سعد)، وعذرًا سلفًا إن فاتني ذكر بعض الأسماء، والشكر ممتد لكلِّ من حضر ممن أعرف مسبقًا، وممن لا أعرف، وبالأخص لذلك الشاب الذي حضر يتوكأ على عصاه، وناقشني نقاشًا عميقًا بعد المحاضرة في بعض القضايا التي تطرقت إليها، والشكر لبعض الأخوات السيدات اللائي حضرن وتفاعلن مع ما طرح.
ولا يفوتني شكر من أبدى استعدادًا للحضور، وحالت ظروفه دون ذلك. 
وفي اليوم التالي اختطفني صديقٌ عزيزٌ في رحلةٍ – ولا أروع- إلى (روضة خريم)، تلك الواحة الغنَّاء التي سمعت عنها كثيرًا، ولم يكتب لي زيارتها إلا في هذه الرحلة. خاطفي كان الدكتور محمد العتيق.
بهرني ربيعها الفاتن الذي أبَّى إلا أن يغزو الشتاء ويزيحه قليلًا عن المشهد. منظر الغطاء النباتي في تلك المحميّة عشبًا وشجرًا يسحر الألباب، السماءُ قريبةٌ. يخيل إليك أنَّك قاب قوسين أو أدنى من لمسها.
هناك وجدت بعض أصدقاء لصديقي الخاطف:(جميعهم "شبَّانٌ"!!! متقاعدون مثلي)!  في مخيمٍ بديعٍ حقًا معهم كل ما تحتاجه (الكشتَّات) من لوازم وتجهيزات وأطعمة ومشروبات، والأهم من ذلك الحكايا والتعليقات والنكات. لم استغرق وقتًا طويلًا حتى أصبحت واحدًا منهم مستقبلًا ومرسلًا، صادًا ورادًا لمشاكساتهم الظريفة. واستثمرت ما لديِّ من أدوات خبثٍ -رغم قلتها- في إشغالهم بأنفسهم والتحريش بينهم لأتقي شرّهم، فـما لم .... (تشغلهم ... شغلوك). كان المسيار والنساء – كما هي حال الشيوخ دومًا - فاكهة الحديث. لا أدري لماذا حينها تذكرت (منزل الجميلات النائمات) لكاوباتا، و (ذاكرة غانياتي الحزينات) لماركيز! وتذكرت أيضًا آثار (السكري) على الجسم والنفس.
         مارست رياضة المشي التي كنت أحسبني قد نسيتها من كثرة انقطاعي عنها. وبعد قطعي مسافةً لا بأس بها من قِبَلِ (ستينيِّ) لم يمارس المشي منذ سنوات، وجدت نفسي أمام سياجٍ من السلاك الشائكة محكمٍ مؤصدٍ. من خلفه اقتربت مني نعامةٌ. أرسلت إليها طاقة حبٍ وابتهاجٍ. اقتربت مني أكثر وأكثر. التقطت لها عدَّة صورٍ بجوالي رغبةً مني في تخليد اللحظة الفاتنة التي كنت واثقًا من هروبها مني.  "إذا صفا لك زمانك علِّ يا ظامي ... عذبَّات (اللحظات) توارى مثل الأحلام".
فجأةً أفزعني صوت (زمور / بوري سيارة) مزعجٍ. التفت جهة مصدر الصوت. وإذا به صوت سيارة / جيب لهيئة الحياة الفطرية، أشار لي سائقه بيده أن أبتعد. امتثلت للأمر. ودَّعت نعامتي بقبلةٍ عن بعد، وتلويحة وداعٍ. وعدت أدراجي ممتلئًا بالأسئلة، ومنها:
هل النعامة هي الوحيدة من بين الأحياء التي تخفي رأسها في الرمال ظنًا منها أنَّها بحركتها هذه تمنع الصيَّاد من رؤيتها؟! وهل هي تفعل ذلك حقًا؟
كنت مضطرًا أن أعود بعد ساعتين أو ثلاث ساعات فقط لالتزامي بموعدٍ مسبقٍ للالتقاء ببعض الأصدقاء في مقهى شعبيٍّ بالرياض.
وفي طريق العودة قلت لصديقي الخاطف الدكتور العتيق:
- من جلستي وحديثي مع أصدقائك هؤلاء .... تعلمت شيئًا جديدًا ومثيرًا!
- وما هو؟
- أن البراءة ليست قصرًا على الأطفال.
-       كيف؟
- للشيوخ أيضًا براءةٌ عذبةٌ اكتشفتها اليوم ممثلةً في أصدقائك؟
- وضح لي أكثر؟
- ألم ترى أنّهم عندما يضحكون .... يضحكون من أعماقهم لا من أفواههم فقط. ألم يلفت نظرك أنَّهم يضحكون على الطرفة العاديَّة كثيرًا وطويلًا، وكأنّهم يشاهدون مسرحيةً لعادل إمام؟
ألم يلفتك أنّهم يعيشون في (الآن وهنا)! وفيهما تكمن السعادة.
قال لي مؤيدًا:
- صحيح. إنَّهم رامون كلَّ مشاكلهم وراء ظهورهم!

  وفي المساء التقيت بأصدقائي (طلق المرزوقي، مسرع العامري، عبد العزيز الحربي) -مع حفظ الألقاب- في ذلك المقهى الشعبي البائس القارص البرودة، الذي أدفأته قليلًا تموجات وتشعبات حوارنا ذات اليمين وذات الشمال. ذلك الحوار الذي كان مختلفا بــــ (مئة وثمانين) درجةً عن أحاديث الشيوخ البريئة في (روضة خريم). كان حديثًنا مكتنزًا بقضايا معرفيّةٍ وفلسفيّةٍ ووجوديِّةٍ وكونيّةٍ ومنها السؤال عن الهويّة ومستقبلها في عصر ذوبان الهويَّات، والحداثة السائلة، والعولمة الغول. وكذلك قضايا الوعيِّ الكونيِّ والطاقة، وعلاقة الفلسفة بالأديان، وحديثٍ مكرورٍ متجددٍ عن أسئلةٍ تراثيّةٍ وحضاريّةٍ ذات إشكالٍ، بجانب كلامٍ أحسبه جيدًا عن دور المثقف في مجتمعنا، وعلاقة مؤسساتنا الثقافية الرسميّة ومثقفينا ومبدعينا الكبار بالمبدعين من الشبان والفتيات الذي يضعون خطواتهم الأولى في سلم المجد الكتابي والأدبيِّ. 
 زاد من متعتي في الرياض، مداعبتي ولعبي ورقصي مع الحفيدة الغالية (شادن بنت سعد خلف). ذات السنة وشهرين فقط من العمر. وقد وصلت معها لصفقةٍ رابحةٍ للطرفين، وهي أن تعطيني من شعر رأسها لأضعه في الأماكن المجدَّبة من الشعر في رأسي، مقابل أن أرقص معها، وأغني على بعض أغنيات وأناشيد للأطفال في بعض القنوات التلفزيونية المتخصصة. وعندما أتعب من الرقص واللعب، أو أشغل عنه، تشير لي بيدها إلى شعر رأسها، وتوهمني أنَّها تنزع منها شيئًا وترميه عليّ، في حركةٍ تحفيزيةٍ لي على مواصلة الرقص والغناء. 
يبدو أنَّها تؤمن بأنَّ الشياب أمثالي يسهل خداعهم! من يدري؟ قد تكون على حقٍّ.

 في اليوم التالي سعدت بلقاء الصديق الشاب المبدع طبيب الأسنان الدكتور (فيصل خلف)، الذي أصدر قبيل شهورٍ عمله القصصيّ الجميل الأول (سن غزال)، وكان حديثًا متشعبًا وجميلًا في قضايا تتعلق بالأدب والنشر والطباعة من واقع تجربته في عمله الأول، وتَقَبَلَ برحابة صدرٍ ووعيِّ وذوقٍ (ثَقَالَةَ دميِّ)! في إبداء ملاحظاتٍ نقديّةٍ سلبيَّةٍ في عمله ذاك.
كان لقاءً ماتعًا اضطررت مرغمًا على إنهائه لقرب موعد ذهابي للمطار لكيلا أفوت الرحلة. وعندما سألني:
- لسه بدري يا أبو سعد؟
أجبته:
علَّمني (فهد بن ردَّة): بــــــ "أنَّ القطارات لا تنتظر أحدًا"!
وأضفت عليها من (كيسي):
"وكذلك الطائرات"!
    
     رحلة السعودية المقرر إقلاعها إلى الطائف الساعة الحادية عشرة مساء الأربعاء أقلعت متأخرةً ساعةٍ وربع تقريبًا، و (هاذي السعودية وهاذي ..... مواعيدها)! خفف من وطأة ألم التأخير أن كتاب المبدع الأستاذ (ماجد سليمان) السرديَّ الأخير: (حكايات كاميليا) كان رفيقي في المطار وفي الطائرة. أتممت قراءته كاملًا (حدود ثمانين صفحة من الحجم الصغير). ومنحني متعةً لغويةً أنستني الوقت والتعب.
      
تلكم حكايتي بإيجازٍ في ثلاثة أيامٍ في الرياض الحبيبة التي أتردد عليها بين الفينة والفينة منذ أربعين عامًا، ولها في القلب مكانةٌ لا توصف، ولأهلها في الوجدان تقديرٌ ومحبةٌ.
                                     *********************



استنساخ

استنساخ ق. ق. ج ******** كثيرًا ما كان أهله ومعلمه يلقبونه حمارًا أو جحشًا لقلة فهمه. تجاوز ذلك كله، وكان من الأوائل على زملائه في المرح...