الثلاثاء، 18 فبراير 2020

استنساخ

استنساخ
ق. ق. ج
********
كثيرًا ما كان أهله ومعلمه يلقبونه حمارًا أو جحشًا لقلة فهمه. تجاوز ذلك كله، وكان من الأوائل على زملائه في المرحلة الثانوية والجامعية. وتفوق بعد ذلك في تخصص طبي دقيق ونادر. وكان لتخصصه احتياج ملحوظ لدى وزارة الحرب في بلده لأنه يتعلق بتطوير نماذج متطورة من فيروسات يمكن استخدامها في إنتاج أسلحة بيولوجية. لذلك قررت وزارة الحرب استنساخه.

استغرقت عملية الاستنساخ أكثر من ثلاثة أيام بليالهن، وعمل فيها أكثر من ثلاثين طبيبًا وعالمًا. وبينما كان الكل متلهفًا لرؤية كيف تبدو النسخة المستنسخة منه، فوجئوا بحمار ضخم الجثة قوي العضلات يملأ أرجاء المستشفى نهيقًا.
******************

السبت، 15 فبراير 2020

رائد فضاء

رائد فضاء
ق.ق.ج
                                                 *********************
     حسده زملاؤه العلماء عندما اختارته وكالة الفضاء الوطنية من بينهم ليرود الفضاء في مركبة، ويجري أبحاثًا، ويجمع معلومات عن كوكب المريخ. كان من المقرر أن تستمر رحلته تلك عامًا كاملًا. لكن نظام الحكم في البلد تغير، وسيطر العسكر على مقاليد الأمور. كانت عودة الرائد تقتضي أموالًا لم تعد متوفرة لدى الوكالة. راح شتاء، وأعقبته شتاءات أخرى، وما زال الرائد يسبح في الفضاء.
                                            ****************************

الخميس، 6 فبراير 2020

"سيرة ثلاثة أيامٍ بليالهن في الرياض"


                                     (قولوا لأهل ذيك المرابع والديار)
                                    "سيرة ثلاثة أيامٍ بليالهنّ في الرياض"
                                    *******************
                                                                    بقلم/
                                                             خلف سرحان القرشي
    -------------------------------------------------------------------------
         الإثنين والثلاثاء والأربعاء الماضية كانت من أيام عمري الهاربة التي تمنيت لها البقاء والدوام طويلا. ولكن هيهات!
         استقليت - (حلوة ... "استقليت" هذه)! - رحلة الطائف – الرياض التي تقلع صباح يوم الإثنين إلى الرياض. أثناء الرحلة شُغِلتُ بتنقيح (المحاضرة) التي ألقيتها مساء ذلك اليوم في جمعية الثقافة والفنون، والتي وفقت فيها كثيرًا بفضل الله سبحانه وتعالى، ثمَّ بفضل تفاعل جمهورها القليل عددًا الكثير وعيًّا وجمالًا.
"تعيِّرنا أنَّا قليلٌ عَدِيْدُنَا
فقلت لها إنَّ الكرام قليلٌ"
والشكر موصول للدكتور فهد العتيبي مسؤول النشاط الثقافي بالجمعية، وللدكتورة منال الرويشد مديرة الأمسيَّة التي أطرتني كثيرًا نبلًا وكرمًا منها وهي تقدمني. وشكرًا أيضًا للفنان القدير الأستاذ علي إبراهيم الذي شرفني بحضوره. وشكرًا للابن الأستاذ حمد الذي أعدَّ لي عرض مرئيًا مميزًا (باوربوينت) للمحاضرة ساعدني كثيرًا.
وشكرًا يبلغ عنان السماء لكل أصدقائي الذين حضروا خصيصًا لمؤازرتي نفسيًا ومعنويًا ومنهم – مع حفظ الألقاب- (محمد العتيق – ماجد البيز- طلق المرزوقي – مسرع العامري – عبد العزيز الحربي – عبد المجيد العصيمي – سيف الزهراني- فؤاد الزهراني) بجانب ابني (سعد)، وعذرًا سلفًا إن فاتني ذكر بعض الأسماء، والشكر ممتد لكلِّ من حضر ممن أعرف مسبقًا، وممن لا أعرف، وبالأخص لذلك الشاب الذي حضر يتوكأ على عصاه، وناقشني نقاشًا عميقًا بعد المحاضرة في بعض القضايا التي تطرقت إليها، والشكر لبعض الأخوات السيدات اللائي حضرن وتفاعلن مع ما طرح.
ولا يفوتني شكر من أبدى استعدادًا للحضور، وحالت ظروفه دون ذلك. 
وفي اليوم التالي اختطفني صديقٌ عزيزٌ في رحلةٍ – ولا أروع- إلى (روضة خريم)، تلك الواحة الغنَّاء التي سمعت عنها كثيرًا، ولم يكتب لي زيارتها إلا في هذه الرحلة. خاطفي كان الدكتور محمد العتيق.
بهرني ربيعها الفاتن الذي أبَّى إلا أن يغزو الشتاء ويزيحه قليلًا عن المشهد. منظر الغطاء النباتي في تلك المحميّة عشبًا وشجرًا يسحر الألباب، السماءُ قريبةٌ. يخيل إليك أنَّك قاب قوسين أو أدنى من لمسها.
هناك وجدت بعض أصدقاء لصديقي الخاطف:(جميعهم "شبَّانٌ"!!! متقاعدون مثلي)!  في مخيمٍ بديعٍ حقًا معهم كل ما تحتاجه (الكشتَّات) من لوازم وتجهيزات وأطعمة ومشروبات، والأهم من ذلك الحكايا والتعليقات والنكات. لم استغرق وقتًا طويلًا حتى أصبحت واحدًا منهم مستقبلًا ومرسلًا، صادًا ورادًا لمشاكساتهم الظريفة. واستثمرت ما لديِّ من أدوات خبثٍ -رغم قلتها- في إشغالهم بأنفسهم والتحريش بينهم لأتقي شرّهم، فـما لم .... (تشغلهم ... شغلوك). كان المسيار والنساء – كما هي حال الشيوخ دومًا - فاكهة الحديث. لا أدري لماذا حينها تذكرت (منزل الجميلات النائمات) لكاوباتا، و (ذاكرة غانياتي الحزينات) لماركيز! وتذكرت أيضًا آثار (السكري) على الجسم والنفس.
         مارست رياضة المشي التي كنت أحسبني قد نسيتها من كثرة انقطاعي عنها. وبعد قطعي مسافةً لا بأس بها من قِبَلِ (ستينيِّ) لم يمارس المشي منذ سنوات، وجدت نفسي أمام سياجٍ من السلاك الشائكة محكمٍ مؤصدٍ. من خلفه اقتربت مني نعامةٌ. أرسلت إليها طاقة حبٍ وابتهاجٍ. اقتربت مني أكثر وأكثر. التقطت لها عدَّة صورٍ بجوالي رغبةً مني في تخليد اللحظة الفاتنة التي كنت واثقًا من هروبها مني.  "إذا صفا لك زمانك علِّ يا ظامي ... عذبَّات (اللحظات) توارى مثل الأحلام".
فجأةً أفزعني صوت (زمور / بوري سيارة) مزعجٍ. التفت جهة مصدر الصوت. وإذا به صوت سيارة / جيب لهيئة الحياة الفطرية، أشار لي سائقه بيده أن أبتعد. امتثلت للأمر. ودَّعت نعامتي بقبلةٍ عن بعد، وتلويحة وداعٍ. وعدت أدراجي ممتلئًا بالأسئلة، ومنها:
هل النعامة هي الوحيدة من بين الأحياء التي تخفي رأسها في الرمال ظنًا منها أنَّها بحركتها هذه تمنع الصيَّاد من رؤيتها؟! وهل هي تفعل ذلك حقًا؟
كنت مضطرًا أن أعود بعد ساعتين أو ثلاث ساعات فقط لالتزامي بموعدٍ مسبقٍ للالتقاء ببعض الأصدقاء في مقهى شعبيٍّ بالرياض.
وفي طريق العودة قلت لصديقي الخاطف الدكتور العتيق:
- من جلستي وحديثي مع أصدقائك هؤلاء .... تعلمت شيئًا جديدًا ومثيرًا!
- وما هو؟
- أن البراءة ليست قصرًا على الأطفال.
-       كيف؟
- للشيوخ أيضًا براءةٌ عذبةٌ اكتشفتها اليوم ممثلةً في أصدقائك؟
- وضح لي أكثر؟
- ألم ترى أنّهم عندما يضحكون .... يضحكون من أعماقهم لا من أفواههم فقط. ألم يلفت نظرك أنَّهم يضحكون على الطرفة العاديَّة كثيرًا وطويلًا، وكأنّهم يشاهدون مسرحيةً لعادل إمام؟
ألم يلفتك أنّهم يعيشون في (الآن وهنا)! وفيهما تكمن السعادة.
قال لي مؤيدًا:
- صحيح. إنَّهم رامون كلَّ مشاكلهم وراء ظهورهم!

  وفي المساء التقيت بأصدقائي (طلق المرزوقي، مسرع العامري، عبد العزيز الحربي) -مع حفظ الألقاب- في ذلك المقهى الشعبي البائس القارص البرودة، الذي أدفأته قليلًا تموجات وتشعبات حوارنا ذات اليمين وذات الشمال. ذلك الحوار الذي كان مختلفا بــــ (مئة وثمانين) درجةً عن أحاديث الشيوخ البريئة في (روضة خريم). كان حديثًنا مكتنزًا بقضايا معرفيّةٍ وفلسفيّةٍ ووجوديِّةٍ وكونيّةٍ ومنها السؤال عن الهويّة ومستقبلها في عصر ذوبان الهويَّات، والحداثة السائلة، والعولمة الغول. وكذلك قضايا الوعيِّ الكونيِّ والطاقة، وعلاقة الفلسفة بالأديان، وحديثٍ مكرورٍ متجددٍ عن أسئلةٍ تراثيّةٍ وحضاريّةٍ ذات إشكالٍ، بجانب كلامٍ أحسبه جيدًا عن دور المثقف في مجتمعنا، وعلاقة مؤسساتنا الثقافية الرسميّة ومثقفينا ومبدعينا الكبار بالمبدعين من الشبان والفتيات الذي يضعون خطواتهم الأولى في سلم المجد الكتابي والأدبيِّ. 
 زاد من متعتي في الرياض، مداعبتي ولعبي ورقصي مع الحفيدة الغالية (شادن بنت سعد خلف). ذات السنة وشهرين فقط من العمر. وقد وصلت معها لصفقةٍ رابحةٍ للطرفين، وهي أن تعطيني من شعر رأسها لأضعه في الأماكن المجدَّبة من الشعر في رأسي، مقابل أن أرقص معها، وأغني على بعض أغنيات وأناشيد للأطفال في بعض القنوات التلفزيونية المتخصصة. وعندما أتعب من الرقص واللعب، أو أشغل عنه، تشير لي بيدها إلى شعر رأسها، وتوهمني أنَّها تنزع منها شيئًا وترميه عليّ، في حركةٍ تحفيزيةٍ لي على مواصلة الرقص والغناء. 
يبدو أنَّها تؤمن بأنَّ الشياب أمثالي يسهل خداعهم! من يدري؟ قد تكون على حقٍّ.

 في اليوم التالي سعدت بلقاء الصديق الشاب المبدع طبيب الأسنان الدكتور (فيصل خلف)، الذي أصدر قبيل شهورٍ عمله القصصيّ الجميل الأول (سن غزال)، وكان حديثًا متشعبًا وجميلًا في قضايا تتعلق بالأدب والنشر والطباعة من واقع تجربته في عمله الأول، وتَقَبَلَ برحابة صدرٍ ووعيِّ وذوقٍ (ثَقَالَةَ دميِّ)! في إبداء ملاحظاتٍ نقديّةٍ سلبيَّةٍ في عمله ذاك.
كان لقاءً ماتعًا اضطررت مرغمًا على إنهائه لقرب موعد ذهابي للمطار لكيلا أفوت الرحلة. وعندما سألني:
- لسه بدري يا أبو سعد؟
أجبته:
علَّمني (فهد بن ردَّة): بــــــ "أنَّ القطارات لا تنتظر أحدًا"!
وأضفت عليها من (كيسي):
"وكذلك الطائرات"!
    
     رحلة السعودية المقرر إقلاعها إلى الطائف الساعة الحادية عشرة مساء الأربعاء أقلعت متأخرةً ساعةٍ وربع تقريبًا، و (هاذي السعودية وهاذي ..... مواعيدها)! خفف من وطأة ألم التأخير أن كتاب المبدع الأستاذ (ماجد سليمان) السرديَّ الأخير: (حكايات كاميليا) كان رفيقي في المطار وفي الطائرة. أتممت قراءته كاملًا (حدود ثمانين صفحة من الحجم الصغير). ومنحني متعةً لغويةً أنستني الوقت والتعب.
      
تلكم حكايتي بإيجازٍ في ثلاثة أيامٍ في الرياض الحبيبة التي أتردد عليها بين الفينة والفينة منذ أربعين عامًا، ولها في القلب مكانةٌ لا توصف، ولأهلها في الوجدان تقديرٌ ومحبةٌ.
                                     *********************



الاثنين، 12 نوفمبر 2018

أبي يجلس في الظلام! My Father Sits in the Dark! قصة قصيرة للكاتب الأمريكي: - جيروم ويدمان Jerome Weidman ترجمة :- خلف سرحان القرشي

ترجمتي لقصة ( أبي يجلس في الظلام).
نشرت في مجلة الفيصل عدد نوفمبر 2018.
******************************************************************

أبي يجلس في الظلام!
My Father Sits in the Dark!
قصة قصيرة للكاتب الأمريكي: - جيروم ويدمان
Jerome Weidman
ترجمة :- خلف سرحان القرشي
لدى والدي عادة غريبة؛ إنه مغرم بالجلوس وحيدا في الظلام. أحيانا أعود إلى البيت في وقت متأخر جدا. البيت مظلم، أدخل بهدوء لأنني لا أريد أن أزعج والدتي لأن نومها خفيف. أمشي على رؤوس أصابعي لأدخل، أخلع ملابسي في الظلام. أذهب للمطبخ لشرب الماء. قدماي الحافيتان لا تحدثان أي صوت. ألج الغرفة، كثيرا ماكدت أتعثر بوالدي، إنه جالس هناك على كرسي المطبخ، مرتديا بيجامته، يدخن غليونه.
أقول له:
- أهلا بابا.
- أهلا بنيَّ.
- لماذا لا تنم بابا؟
- سأفعل.
لكنه يبقى هناك وقتا طويلا حتى بعد أن أنام. أنا على يقين أنه ما يزال جالسا في نفس مكانه يدخن.
مرات كثيرة، أكون أقرأ في غرفتي. أسمع والدتي ترتب الأشياء في المنزل استعدادا للنوم. أخي الصغير يذهب لفراشه. أسمع أيضا أختي تدخل، أسمعها تتعامل مع الجرار والأمشاط حتى تنعدم الحركة تماما، أعرف حينها أنها ذهبت لتنام، وما هي إلا لحظات، وأسمع أمي تقول لأبي: (تصبح على خير). أواصل القراءة، في الحال أشعر بالعطش – إنني أشرب كثيرا – أذهب للمطبخ لأشرب، مرة أخرى أوشك أن أتعثر بوالدي. أحيانا أفزع منه؛ أنسى أنه قد يكون هناك، غير أنه قابع في مكانه يدخن، ويفكر.
-       لماذا لا تذهب للنوم بابا؟
-       سأفعل يا ولدي.
لكنه لا يفعل. إنه فقط يجلس هناك، يدخن ويفكر، وهذا ما يقلقني. لا أستطيع أن أفهمه. يا ترى ما الذي يفكر فيه. ذات مرة سألته:
-       بابا...  ما الذي تفكر فيه؟
-       لا شيء.
في إحدى المرات تركته هناك، وذهبت للفراش. استيقظت بعد عدة ساعات. أيقظني العطش. ذهبت للمطبخ.  ولم يزل هناك، انتهى من تدخينه، لكنه جالس يحدق في زاوية من زوايا المطبخ، مرَّت لحظة، عرفت كيف أتعامل مع العتمة، شربت، عيناه تواصلان تحديقهما دون أن يرف لهما جفن، اعتقدت أنه غير شاعر بوجودي، كنت خائفا.
-       أبي، لماذا لا تذهب للنوم؟
-       سأفعل يا بني. لا تبق ساهرا تنتظرني.
-       لكن ...، لكنك - ولساعات طويلة- تظل ثاوٍ هنا! ما الأمر؟  ما الذي تفكر فيه؟
-       لا شيء يا بني. لا شيء. مجرد استرخاء. هذا كل ما في الأمر.
قال ذلك بطريقة مقنعة، لم يبدُ قلقا. جاء صوته هادئا ولطيفا. دائما هو كذلك. لكني لم أفهم كيف يكون جلوسُ شخص بمفرده على كرسي غير مريح لوقت طويل في الليل وسط العتمة الحالكة - استرخاءً. آهـ، لو أعرف السبب!
استعرضت كل الاحتمالات. لن يكن قلقا من أجل المال؟ أعلم يقينا ذلك. لو تعلقت المسألة بالمال، لما بقي الأمر سرا. كذلك الحال لو أن السبب يتعلق بصحته؛ فوالدي ليس متحفظا بشأنها أيضا، وليس للأمر أية علاقة أيضا بصحة أي فرد من أفراد عائلتنا. صحيح لدينا نقص ضئيل في المال، لكننا ننعم بصحة جيدة – امسك الخشب- هذا ما ستقوله والدتي لو سمعتني. ما الأمر إذًا؟ أخشى أنني لن أعرف؟ لكن هذا لا يمنعني من أن أقلق.
قد يكون يفكر بإخوته في الريف، أو لعله يفكر في والدته، أو في زوجتيِّ والده، ومن يدري فمن المحتمل أنه يفكر في والده. لكن كل هؤلاء أموات، ومستحيل أن يطيل التفكير بهم كل هذا الوقت، ماذا؟  هل قلت – يطيل التفكير – إن ذلك غير صحيح على الإطلاق، فهو لا يطيل التفكير البتة، بل لا يبدو أنه يفكر أصلا. يظهر هادئا، وعلى ما يرام، لكنه ليس راضيا. إنه هادئ جدا.
لعل الأمر كما قال؛ جلسة استرخاء. لكن ذلك هذا الاحتمال بعيدا. إن الأمر يقلقني. أتمنى لو أعلم ما الذي يفكر فيه. قد لا أستطيع مساعدته. وقد لا يرغب هو في المساعدة أصلا، ولم لا تكون المسألة مثلما يُصِرُ هو؛ مجرد جلسة استرخاء. لو كان الوضع على هذا النحو فلن أقلق بشأنه. لماذا يجلس هناك في الظلام؟ هل اختل عقله؟ لا. ليست جلسة استرخاء. إنه في الثالثة والخمسين؛ متقد العقل، دقيق الملاحظة، كما هو حاله دائما. في الحقيقة، لم يتغير عليه شيء؛ إنه باقٍ على حبه لشوربة (الشمندر)، وما يزال يقرأ الجزء الثاني من صحيفة (التايمز أولا)، ومستمر في ارتداء ياقات ذات أجنحة، ويظن أن بوسع (دبز) (1) إنقاذ البلد، وأن (تيودور روزفلت) (2) مجرد أداة تعمل لمصلحة الأثرياء. نعم. إنه على حاله في كل أموره. لا يظهر عليه أنه أكبر مما كان عليه عمره الحقيقي قبل خمس سنوات. الكل لاحظ ذلك. قالوا عنه: محافظ على صحته بشكل جيد، لكنه يجلس في الظلام، وحيدا، يدخن، يحملق أمامه، دون أن يغمض له جفن طيلة ساعات الليل. لو أن القضية كما يقول قضية استرخاء، فليس ثمة مشكلة. لكن لنفرض أن الأمر غير ذلك تماما. كأن يكون هناك شيء ما لا أستطيع سبر أغواره. لعله يحتاج للمساعدة. لكن لمّ لا يتكلم؟ لمّ لا يقطب جبينه؟ لمّ لا يضحك أو يبكي؟ لمّ لا يعمل شيئا ما؟ لماذا فقط يمكث هناك وحيدا في الظلام؟

أخيرا وصلت لمرحلة الغضب، قد يكون مرد ذلك فضولي الذي لم يشبع، أو قلقي بعض الشيء عليه. على أية حال لقد أصبحت غاضبا وكفى.
-       أبي أمتأكد أنت أنه ما من مشكلة هناك؟
-       لا. أبدا يا بني. لا شيء على الإطلاق.
لكني هذه المرة مصمم على ألا أغادر. إنني غاضب.
-       إذًا لماذا تجلس هنا وحيدا تفكر حتى وقت متأخر؟
-       إنها جلسة استرخاء يا بني. إنني أحبها.
ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت. غدا سيكون جالسا في نفس المكان. وسأبقى محتارا وقلقا. لا لن أنصرف الآن. إنني غاضب.
-       حسنا، وما الذي تفكر فيه يا أبي؟ لماذا تجلس هنا وحيدا؟ ما الذي يقلقك؟  فيم تفكر؟
-       لا شيء يقلقني، إنني على ما يرام. مجرد، مجرد استرخاء. هذا كل ما في الأمر. اذهب أنت يا بني لتنام.

لقد ذهب عني الغضب، لكن الشعور بالقلق ما زال يتملكني. لا بد أن أحصل على إجابة. لدي شعور غريب بأنه ما لم أعرف منه السبب فسأجن لامحالة. لذا فأنا مصرُ.  أقف
-       لكن قل لي بربك بابا... ما الذي تفكر به؟
-       لا شيء يا بني. فقط أشياء عامة. لا شيء محدد. مجرد أمور عادية.
لم أحصل بعد على إجابة.
الوقت متأخر، الشارع هادئ والمنزل يكسوه الظلام. تسلقت الدرج بهدوء، متجاوزا تلك التي تحدث صريرا. دخلت بهدوء. باستخدام مفتاحي، وبالمشي على رؤوس أصابعي، ولجت غرفتي. خلعت ملابسي، تذكرت أني عطشان، بقدمَّي الحافيتين مشيت نحو المطبخ، قبل أن أصله كنت متأكدا أنه هناك. أبصرت الظلام الدامس يلف كتلته المحدودبة، إنه جالس في نفس الكرسي، واضعا مرفقيه على ركبتيه، غليونه البارد في فمه، عيناه تحدقان للأمام، لا يبدو أنه شعر بوجودي. لم يسمعني عندما دخلت، وقفت هادئا عند المدخل أرقبه.
كل شيء ساكن، بيد أن الليل ممتلئ بالأصوات الصغيرة، حينما وقفت هناك بلا حراك، بدأت ألحظ تكات ساعة الحائط الموضوعة فوق الثلاجة، الصوت المنخفض لسيارة تمر عبر البيوت والمحلات، حفيف أوراق الشجر على امتداد الشارع بفعل النسيم، علو صوت الهمسات وانخفاضها؛ وكأنها أنفاس بطيئة، كل ذلك كان ساراً على نحو غريب. جفاف حلقي ذكرني، خَطَوْتُ برشاقة داخل المطبخ:
-       أهلا بابا؟
-       أهلا بني.
جاء صوته ضعيفا، كأنه يحلم. لم يغير من وضعيته، ولم يرفع عينيه عما كانتا تحدقان فيه.
لم أتمكن من إيجاد صنبور الماء، الظل المعتم للضوء القادم من مصباح الشارع عبر النافذة، جعل الغرفة تبدو أكثر ظلاما، وصلت للسلسلة القصيرة في منتصف الغرفة، أدرت مفتاح الضوء.
استوى في جلسته بهزة وكأنه قد لُدِغَ:
-       ما الأمر يا أبي؟
-       لا شيء يا بني. لا أحب الضوء.
أطفأت الضوء، شربت الماء ببطء. لا بد أن آخذ الأمر ببساطة ولا بد أن أصل إلى نهاية.
-       لماذا لا تذهب لتنام؟ لماذا تجلس إلى وقت متأخر في هذا الظلام؟
-       حسنا. أنا لست معتادا على الأضواء عندما كنت طفلا في أوروبا، لم يكن لدينا أضواء.

بدأ قلبي يرقص طربا، التقطت أنفاسي جذلا، اعتقد أنني فهمت، تذكرت قصص طفولته في النمسا. رأيت الإشعاع الواسع لذلك النُزُل، جدي خلف الحانة، الوقت متأخر، ذهب الزبائن، وهو يغالب النعاس، رأيت رماد الفحم الحجري الذي كان متقدا، رأيت البقية الباقية من زئير النار الهادرة. الغرفة لم تزل مظلمة، وظلامها يتزايد. وهناك طفل صغير جاثم على كومة من الأغصان الصغيرة الموضوعة على أحد جوانب الموقد الكبير، نظراته المحدقة اللامعة مثل النجوم؛ مثبتة على البقايا الباهتة للهب الميت، كان ذلك الطفل والدي.
أتذكر متعة تلك اللحظات القليلة بينما أنا واقف بهدوء في الممر أراقبه:
-       أتعني أنه ليس ثمة مشكلة؟ تجلس في الظلام لمجرد أنك تحبه!
ولم أستطع منع صوتي من الارتفاع في ضجة سارة:
-       بالتأكيد. لا أستطيع التفكير عندما تضاء المصابيح!
وضعت نظارتي، وعدت أدراجي باتجاه غرفتي:
-       تصبح على خير بابا.
-       وأنت بخير يا بني.
تذكرت شيئا ما، وعدت:
-       ما الذي تفكر فيه، بابا؟
أتى صوته وكأنه قادم من بعيد، هادئا ومستويا:
-       لا شيء.
أردف بهدوء أيضا:
-       لا شيء غير عادي.
-------------------------------------------------------------------------------------
(1)يوجين دبز، عالم اجتماع أمريكي وناشط سياسي، عاش في الفترة ما بين (1855-م926م)، ورشح للرئاسة خمس مرات. (المترجم).
(2)ثيودور روزفلت، الرئيس الأمريكي السادس والعشرون ولد عام 1858 وتوفي عام 1919م، دامت فترة رئاسته ثمان سنوات ابتداء من عام 1901م. (المترجم).



نبذة عن كاتب القصة:
جيروم ويدمان
Jerome Weidman
جيروم ويدمان: من أصل يهودي، والده مهاجر نمساوي. ووالدته من المجر. ولأن والديه لم يكونا يتحدثان اللغة الإنجليزية، لم يتحدث (ويدمان) هذه اللغة بطلاقة حتى بلغ الخامسة من عمره. تزوج من إليزابيث الكاتبة (آن، في عام 1943. أنجب منها عدة أولاد من بينهما: جيفري وجون ويتني.
درس وايدمان في كلية (سيتي)؛ (الآن كلية سيتي في جامعة سيتي في نيويورك) من 1931 إلى 1933، وفي كلية (واشنطن سكوير) من 1933 إلى 1934، وكذلك في كلية الحقوق في جامعة (نيويورك) من 1934 إلى 1937. تضمنت خدمته العسكرية العمل في مكتب معلومات الحرب من 1942 إلى 1945.
وقبل أن يصبح كاتبًا متفرغًا، عمل في العديد من الوظائف ومنها محررا اخباريا، وموظفا في البريد، ومحاسبا. كان عضوًا في نقابة المؤلفين، وفي رابطة المؤلفين الأمريكية، والتي تولى رئاستها من عام 1969 حتى عام 1974، وكذلك في نقابة كتاب شرق أمريكا.
عندما تخرج (ودمان) من المدرسة الثانوية، كان الكساد الكبير في أوجه. قرأ كثيرا للمتعة فقط، وحصل على وظيفة في حي الملابس في مدينة نيويورك مقابل راتب أسبوعي يبلغ 11 دولار. وقد تحققت مهنته في الكتابة بعشر دولارات حصل عليها عندما قبلت إحدى المجلات المحلية قصة قصيرة كتبها.

كتب روايته الأولى، "يمكنني الحصول عليها لك بالجملة"، مشاركة منه في مسابقة ثقافية، وكان يكتب فصلا منها في كل ليلة، ورغم أن الرواية لم تفز بجائزة في تلك المسابقة ألا إنها نشرت لاحقا، ولاقت استجابة نقدية إيجابية للغاية. كتب أيضا بعض المسرحيات، ووضع بعض المقطوعات الموسيقية. توفي عام 1998م.
---------------------------------------------------------------------------

الخميس، 26 يوليو 2018

ترجمة مقال (استراتيجيات إعلامية في حل النزاعات). مجلة (الحوار) عدد شوال 1439هــ



استراتيجيات إعلامية في مفاوضات حل النزاع! (1)
Media Strategies
 مقالة للناشطة الأمريكية: جينيفر أكن (2)
ترجمة: خلف سرحان القرشي
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­_____________________________________________________________
     تؤثر وسائل الإعلام الشعبية كثيرا على الطريقة التي ينظر بها الناس إلى العالم من حولهم، فالصحف ومحطات الإذاعة والتلفزة غالبا هي الوسيلة الوحيدة لربط الإنسان بالأحداث التي تحدث بجواره.
 إن القصة الاخبارية التي يعدها محرر صحفي عن صراع ما، قد تكون هي المعلومة الوحيدة الأساسية المتاحة لجمهوره، لذا فالكيفية التي يصوغ بها المحرر خبره، هي التي تجعل الجمهور متحيزا لصالح أحد الأطراف، أو أحد الحلول المطروحة دون غيره، وما ذلك إلا للدور الحيوي لوسائل الإعلام؛ ليس فقط في عرض وتقديم أخبار النزاعات، ولكن أيضا في إبقائها بعيدة عن التحيز. وطالما الحالة هذه فمن المهم لكل أطراف النزاع، وكذلك الوسطاء بين طرفيه / أطرافه أن يعوا جيدا الطريقة المثلى للتعاطي مع هذا التأثير القوي لوسائل الإعلام.
 إن التغطية الإعلامية لسير المفاوضات تكون أحيانا بمثابة ترياق ناجع يبحث عنه بلهفة، ولكنها في أحيان أخرى تكون كالسم الزعاف يجب الابتعاد عنه، ومن هنا فإن معرفة الحالتين، وكيفية التعامل مع التغطيات الإعلامية؛ سواء كانت مرغوبة أو العكس يصنع فرقا كبيرا في الآليات والطرائق التي قد يُحَلُّ بها النزاع بشكل ودي وفي وقت سريع.
ليس ثمة شك فيه أن الصحافيين يستفيدون من معرفة المزيد حول سير مفاوضات حل النزاع، لأن من شأن ذلك تحسين مستوى تقاريرهم. كما أنه من الشائع أن النزاع يعتبر الأجدر بتسليط الضوء عليه أكثر من الحل، غير أنه ليس ضربة لازم أن تكون هذه هي الحالة دوما؛ فإحضار الصحافة وتقنيات حلول النزاع معا يُنْتِجُ أحيانا قصصا إخبارية مستمرة قد تكون مفيدة لقضية النزاع، وكذلك لمن يقوم بتغطيتها.  
الدعاية:
إن مقولات من قبيل: "أي دعاية هي دعاية جيدة"، وكذلك: " ليس ثمة دعاية سيئة" هي مقولات ذائعة الصيت، كثيرة الانتشار في الولايات المتحدة. ولسوء الحظ، فإنها ليست صحيحة عندما يتعلق الأمر بالنزاع. من المؤكد أن الأمر يقتضي - من خبراء حل النزاعات - عدم إبقاء عملهم دوما في إطار السرية، ولكنهم في الوقت نفسه قلما ما يستطيعون إنجاز مهمتهم من غير بعض منها.
إن احراز النجاح في مفاوضات حلِّ الخلافات وفك النزاعات يقتضي من الوسطاء السماح لجميع الأطراف بالتحدث بصراحة متناهية على مائدة واحدة، بالإضافة إلي النظر في مجموعة واسعة من الحلول والبدائل الممكنة، وعندما يكون ذلك مُوَثَقٌ إعلاميا؛ فإن المتفاوضين يصبحون أكثر تحفظا، وحرصا على عدم الحديث عن أي طرح قد يبدو ساذجا، أو يغضب ناخبيهم وأنصارهم. ويزداد الطين بِلَةً عند قيام أي طرف بتسريب المناقشات إلى المراسل، حيث قد تنهار المفاوضات جملة وتفصيلا جراء عدم الثقة.
ولتجنب هذه السيناريوهات، فإن خبراء حل النزاع يحتاجون لاتخاذ اجراءات وقائية استباقية؛ أي قبل بدء الحوار والنقاش في مواطن الخلاف الأعمق؛ ومنها أنه على الوسطاء الأخذ بعين الاعتبار مسألة الالتقاء بمكاتب الصحف المحلية، وحتى برؤساء ومحرري الصحف، ومدراء المحطات؛ لأن من شأن هذا الأمر منح خبراء الوساطة الفرصة لشرح وتبيان آليات الوساطة / المفاوضات ونحو ذلك، وكيف سوف تسير الأمور، ولماذا يقتضي الأمر عدم وجود الصحفيين أثناء المفاوضات. ومن ثمَّ فإنه عندما تكون الوساطة جاهزة للبدء، فإن الوسيط يجب أن يوضح بجلاء لكل أطراف النزاع أن ثمة قاعدة مشتركة تتمثل في أنه لا يحق لأي طرف / جهة الاتصال بوسائل الاعلام بصفة فردية حول الوساطة وخطواتها وما يدور فيها.
ودواعي ذلك ببساطة تكمن في أنه عندما يلتقي أحد من أطراف النزاع مع الصحافيين فإنه ليس هناك أي ضمانة في أنهم لن يحصلوا أو ينتزعوا منه تفاصيل واقتباسات، ومعرفة بعض ما يكون قد طرح من المشاركين في اجتماعات التفاوض، ففي نهاية المطاف؛ فتلك هي مهمة الصحافيين؛ وهي أن يجدوا معلومات، وينشروها في تقارير للجمهور، غير أنهم في الغالب سوف يحترمون طلبات الوسطاء إذا كانت أسباب السرية مشروعة، وشرحت لهم بشكل كامل مسبقا.
وكتعويض لعدم تواجد وحضور الصحفيين بالقرب من اجتماعات التفاوض؛ فعلى الوسطاء تزويد الصحفيين بالمستجدات التي تتم في قاعة التفاوض أولا بأول، وبشكل دوري، كما أن عليهم الترتيب لعقد مؤتمر صحفي مجدول بحضور كل الأطراف المشاركة في عملية التفاوض؛ يجاب فيه على أسئلة الصحفيين وذلك عند انتهاء المفاوضات.
إن عقد ذلك المؤتمر الصحفي أمر من شأنه تحقيق مكاسب لكل الأطراف، حيث بوسعهم عرض النجاحات التي أحرزت معا، وفي الوقت نفسه تتاح للصحافيين فرصة التواصل مع كل المشاركين.
وعلى الرغم من أن النشر عادة قد يضر بقضايا النزاع موضع التفاوض، ألا إن هناك بالتأكيد أوقات يكون فيها أداة مفيدة. وذلك لأن الضغط الذي تمارسه الصحافة - على الأشخاص أو المجموعات التي يبدو أنها تنتهج النفاق، أو خبث المزايدة في تعاطيها مع قضايا النزاع، – لهو ضغط ليس له مثيل.
إنها تعري المفسدين، وتطالب بوضع حد للتمييز العنصري، ونحو ذلك. كما أنه بوسعها أي (الصحافة) توعية وتثقيف جمهورها، وتهييج الرأي العام من أجل أن يتخذ قراره، ويقل كلمته.
إن الاهتمام الاعلامي المرغوب لا يحدث تلقائيا بمجرد وصول المادة إلى الصحافة. وذلك لأن اهتمام الوسيلة الإعلامية بقضية معينة من عدمه يعتمد على عدة عوامل. ولكن عموما يمكننا القول بأن الوكالات الصحفية تبحث عن الأحداث غير المتوقعة التي تهم أوسع نطاق من الجماهير، بينما قنوات التلفزة تحتاج للأحداث التي تصاحبها صورا دراماتيكية. إن الصحافة ليست كيانا متجانسا، بل هي أمشاج متعددة من الأشخاص والمنظمات؛ لكل منها نظرياته المختلفة ورؤاه لماهية الخبر، وكيف ينبغي أن يعرض. وزد على ذلك أن لكل وسيلة إعلامية قيودها. ومثال على ذلك فالصحيفة تُفِدْ من إضافة المزيد من القصص الاخبارية، بينما التلفزيون لديه وقت محدد، وجمهور متقلب.
إن لفت وسائل الاعلام للأحداث - التي هي ليست من صلب أولوياتها - يقتضي تسويقا للقصة الإخبارية إلى الصحافي. فالصحافيون يعملون تحت ضغط كبير بسبب عامل الوقت، وطالما الحالة هذه فهم غالبا ما يرغبون بالتعاون مع المصادر التي تزودهم بخلفية وافرة من المعلومات مسبقا، والتي تجعل من المشاركين في المفاوضات متواجدين للقاءات الصحفية القصيرة، وكذلك للرد على اتصالات الصحفيين الهاتفية فورا.
كما أنه عند تقديم خبر أو مادة صحفية للإعلام، فإن من الأفضل الاعتراف بعدم معرفة شيء ما، عوضا عن إعطاء معلومات خاطئة، أو مُضَلِلَةٍ لأن من شأن ذلك فقدان الاعلام لمصداقية ذلك المصدر، وبالتالي عدم التعامل معه مستقبلا.  وعلى نفس المنوال فإنه من الأحسن للقائمين على الوساطة في النزاع عرض الأمور للإعلام بأكثر الطرق الممكنة توازنا وحيادية، وحتى لو كان ثمة انحياز أو ميل - من قبل الوسطاء أنفسهم - نحو تبني موقف أحد الأطراف. والسبب في ذلك ببساطة يكمن في أنه عندما تقدم وجهة أحد الأطراف للإعلام بأنها هي الحل، بينما وجهة الطرف الآخر خاطئة تماما، فمن شأن هذا الأمر فقدان الثقة مع الإعلام، وبالتالي مع الجمهور، وزد على ذلك فموقف كهذا يتسبب في نفور الطرف الآخر.
الطريقة الأخرى لكسب الصحافة هو الدفع لإعلانات تعرضها تلك الوسائل، لأن الإعلانات هي أكثر المواد تحكما في الصحافة، كما أنها الأكثر تكرارا في الظهور. نعم إن الإعلان عادة هو أول اختيار لمن يستطيعون تحمل نفقته. في الولايات المتحدة وحدها، نمت الإعلانات إلى صناعة بمليارات الدولارات. ولعله من نافلة القول الإشارة إلى إن التكلفة العالية التي تلزم لتشغيل صحيفة أو شبكة تلفزيونية تعني أن شركات الإعلام تحتاج إلى دولارات تسويقية لكي تستمر في العمل.
إن الإعلانات الدعائية تشمل جميع العروض الترويجية المصممة لخلق الاستجابة المطلوبة في المستهلكين. وتصمم الاعلانات لبيع المنتجات التي تروج لها، والبيع هنا يشمل معنى مصطلح (بيع) حرفيا مثل بيع منظفات الأطباق، كما يشمل مجازا (بيع) الأفكار وطروحات المنصات السياسية.
إن السياسيون وكذلك مجموعات الرأي العام وحتى الدول تستخدم الإعلانات الدعائية. وميزة الدعاية عبر وسائل النشر والبث تكمن في هي أن المنظمة أو الجهة المُعْلِنة تستطيع أن تقول بالضبط ما الذي تريده، دون أن تكون مضطرة لتسليط مزيد من الضوء على ما تضمنته المادة الإعلانية نفسها. أما الجانب السلبي للمواد الإعلانية يكمن في أن نطاقا واسعا من مشاهديها أو قراؤها ينظرون إلى مضمونها بارتياب أكثر منه للقصص الإخبارية.
صحافة السلام:
 (صحافة السلام) مصطلح اخترعه (يوهان غالتونغ) لوصف ذلك النوع من التقارير والمواد الصحافية التي تسعى جاهدة بقصد إلى تهدئة الصراع وحله من خلال التركيز على مايعرف بـ "تحويل النزاع".
ينظر صحفيو السلام إلى الصراع من زاوية مختلفة تتعلق بالقرارات المتخذة أو التي سوف تتخذ، كما أنهم يقومون بطرح نوع من الأسئلة من قبيل: "ما هي الجذور العميقة للصراع؟" و "ماهي الأهداف الحقيقية للأطراف المتنازعة؟"
وهذه النظرية الصحفية لاتخلو من جدل مهني بشأنها؛ حيث ينظر العديد من الصحافيين إلى ما يسمى بــ (صحافة السلام)، بأنها خروج عن الموضوعية المهنية الصارمة التي ينبغي أن تتحلى بها الصحافة. كما أنهم يعتقدون أن هذا النمط من الصحافة يتجاوز دور ومهام ورسالة الصحافة.
ويدافع (غالتونغ)، وغيره - من أنصار هذا النوع من الصحافيين - بأن الصحافيين ليس بوسعهم، فقط بل ومن الواجب عليهم تجاوز ارسال المادة الصحفية عن بعد. وفي هذا الصدد تقول (جاني بوتس): "يجب أن تشكل المهمة العاجلة المتمثلة في منع العنف تطورا للنماذج الصحفية بطرائق وأساليب عدة من شأنها تمكين مهنة الصحافة من المساهمة في منع الصراع، وتسويته بشكل أكثر فعالية".
إنشاء مواد اعلامية:
جانب آخر في مسألة العلاقة بين الاعلام وجهود حل الصراع يكمن في ايجاد وانتاج برامج موجهة لشرائح عريضة من الجماهير. وهنا يكون التركيز على المحتوى سواء كان قصصا اخبارية أو برامج تلفزيونية وإذاعية وأغانٍ ونحو ذلك.
 كانت المجازر الرهيبة التي ارتكبت عام 1994 في (رواندا) دليلاً مرعباً على مدى قوة تأثير ما يمكن ان نطلق عليه مصطلح "إعلام الكراهية". فقد قامت (ميل كولينز)؛ وهي محطة إذاعية شعبية في (رواندا) ببث برامج - إبان تلك الفترة - لعبت دورا هاما؛ تسبب لاحقا في الإبادة الجماعية من خلال زيادة الخوف والتوتر بين قبائل (الهوتو) و(التوتسي).
قبل أن تبدأ حرب الإبادة تلك كانت برامج تلك المحطة خفية، ولكن بعد أن بدأت عمليات القتل، اختلف الأمر، وبدأت تبث بشكل صريح ومباشر مثل هذه النداءات المخيفة: "ماذا تنتظرون؟ المقابر فارغة. خذوا السواطير وقطعوا أعداءكم إِرباً إِرباً". وقد شجعت مثل هذه النداءات التحريضية على القتل الفظيع الذي خلف ثمانمائة قتيل في أقل من مائة يوم.
وكرد فعل لوسائل الإعلام التي تحض على الكراهية، أنشأت مجموعات مثل "البحث عن أرضية مشتركة"،
 و" الأمم المتحدة "وسائل إعلام السلام؛ وهي تلك تقدم محتوى يحث على السلم والتسامح مع الاختلافات، كما تقدم أساليب ومقترحات لحل النزاعات سلميا، وتستغل لذلك الغرض مواد الترفيه الشعبي في الإذاعة والتلفزيون.


يعد ستوديو (أيجمبو) نموذجا لوسائل الإعلام الناجحة في بيئة تشتهر بالصراعات العنيفة، فقد تم إنشاؤه عام 1995م، من قبل مؤسستي    ((انتاج أرضية مشتركة) و (البحث عن أرضية مشتركة). وذلك الاستديو هو أول محطة إذاعية مستقلة لـ (بوروندي). وفيه تم توظيف موظفين من طائفتي (الهوتو) و (التوتسي) لإنتاج الأخبار وبرامج الشؤون العامة، وكذلك البرامج الثقافية. وقدمت فيه ومن خلاله سلسلة درامية إذاعية حملت عنوان "جيراننا، أنفسنا"؛ وتطرقت للمشاكل المشتركة التي تواجه الطائفتين المتجاورتين، مثل الجفاف والانقسام في البلد، وكيف يتغلبون عليها معا. وأظهر أحد الاستطلاعات أن 87٪ من (البورونديين) يستمعون إلى اتلك المحطة، ويعتقد 82٪ ممن شملهم الاستطلاع أن برامجه تساعد بشكل كبير في المصالحة. ويصل بث المحطة إلى حوالي 12 مليون شخص في جميع أنحاء منطقة البحيرات العظمى.
وكما تشير (لوريتا هيبر) في مقالها؛ "وسائل الإعلام بوصفها تدخلا"، فإن هناك العديد من العقبات أمام المنظمات التي تحاول تأسيس وجود إعلامي للسلام. وتتمثل العقبة الرئيسية الأولى في إقامة شراكات مع وسائل الإعلام المحلية؛ حيث يصعب إيجاد شركاء ينظر إليهم من قبل الجمهور بأنهم محايدون، وليسوا متحيزون، كما أنهم لن يطالبوا بالتحكم في محتوى المادة الاعلامية المقدمة. والعقبة الثانية هي إيجاد طريقة لجعل الجمهور يتقبل ويتابع المواد المبثوثة. تُظهر الأبحاث أن المجموعة الأكثر فاعلية للتواصل الناجح هي مزيج من الترفيه و"النتيجة المرجوة" أو الرسالة المراد إيصالها. سيرفض الجمهور أي رسائل يشعرون أنها مفروضة عليهم من قبل أشخاص خارجيين (وهذا سبب آخر للعقبات، فمن المفيد وجود شركاء محليين). وأخيرًا، بمجرد أن يتم تنفيذ المشروع، قد يكون من الصعب قياس فعاليته بسبب نقص الموارد، أو ندرة طرق البحث المُثْبَتَةِ، أو صعوبة الاتصال بأفراد الجمهور المتناثرين.
وعلى الرغم من أن هناك العديد من الصعوبات التي يجب التغلب عليها، فإن وسائل الإعلام السلمية عندما تنجح فإنها تعد أداة قيمة للغاية تساعد كثيرا في منع الصراعات وتصعيدها.
ومن الناحية النفسية فإن وجود مصدر ودود للأخبار في وقت الفوضى يكون مهدئا جدا، أما بعد انتهاء النزاع فتوفير مساحة بث مناسبة للتعبير عن المظالم أمر من شأنه جعل وسائل الاعلام جزءً أساسيا من عمليات التشافي من أزمات الصراع وتداعياتها.

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- نشرت المقالة بتاريخ 5 مارس 2005م، في موقع مشروع (ما وراء التعصب)، وهذا رابطها:
 https://www.beyondintractability.org/essay/media_strategies
2- " جينيفر أكين " هي طالبة دراسات عليا سابقة في اللسانيات الحاسوبية، وعملت أيضاً في وحدة أبحاث النزاعات في جامعة (كولورادو) مساعد باحث. كما أنها حاصلة على عدد من الدورات والدرجات في قضايا الإدارات غير الربحية من جامعة (سياتل).
 
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------






الثلاثاء، 3 يوليو 2018

مقالة الأستاذ عبد الحفيظ الشمري عن كتاب وقال نسوة صحيفة الجزيرة




16/11/2013

خلف سرحان في قصص مترجمة: «وقال: نسوة» نماذج قصصية مترجمة لأعمال عالمية

http://www.al-jazirah.com/2013/images/zoom-font_r.pnghttp://www.al-jazirah.com/2013/images/zoomout-font_r.png
عُني الكاتب والأديب خلف سرحان القرشي بترجمة عمل قصصي استنبطه من خيرة أعمال سردية عالمية يرى أنها يمكن أن تكون إضافة للقارئ العربي من خلال هذه الترجمة، وقد وسم القرشي المجموعة بعنوان «وقال نسوة» بغية إيضاح أنه اختار نماذج قصصية عالمية يتناول فيه حياة المرأة في تلك المرحلة من حقب أوربا قبل عقود، لتدور هذه النصوص حول هذا المفهوم.
وقد اعتمد المترجم في هذه النصوص القصصية ـ كما أشار في المقدمة ـ على ما لدى القارئ العربي من أفكار وتأملات حول ليالي القص وتطاول حكايات النساء وغرائبيات ما تواتر من مقولات منذ ألف ليلة وليلة إلى ما سواها من أعمال حتى وصل إلى بؤرة الرؤية في العمل الغربي الذي بات يمتاح من تجربة «شهرزاد» و»شهريار» ونماذج أخرى في ذات المضمون وعلى هذا المضمار.
ففي القصة الأولى «أحقا مات» للكاتب الإيطالي لويجي بيرنديللو التي استهل فيها المترجم المجموعة ببناء سردي عتيق يعتمد على الحكاية بشكل واضح نظرا للحقبة التي عاش فيها هذا الكاتب حيث تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر.. تلك النماذج القصصية التي تميل في الغالب الأعم إلى الشرح والإطناب في وصف الشخوص على نحو ركاب تلك المحطة الصغيرة لقطار قديم بين مدن إيطالية.
فالقصة تتهادى بشكل بسيط وعفوي وكأن الراوي يمارس ثقافة التأمل والاستطراد في شرح معاناة الشخوص على نحو يؤكد أنها معاناة المسحوقين والمعدمين، أما من يتأمل النقاش أو الحوار بين الشخصيات فإنه سيدرك أنها لعبة فنية عني فيها المؤلف، من أجل أن يسلط الضوء على معاناة أهل الريف حينما يقحمون في مشاكل المدن وأهلها، وهذا ملمح مهم قد نتأمله حتى في هذا الزمن.
فحينما نجد أن هناك خلافا لا بد أن ينشأ في صلب الحوار الحضاري بين بيئة المدن والريف التي لا تتكافأ ـ عادة ـ الكفتين أبدا، مما يحتم أن يكون هناك طرف ما هو أقل في هذه المعادلة الإنسانية وهذا ما قدمه المؤلف في هذه الحكاية الحوارية في زمن القصة التقليدية التي تتكئ على الحكاية وتتمدد في عرض طريق السرد وهذا شأن مرحلة البدايات الفنية للقصة القصيرة في أوربا على وجه التحديد.
والقصة الثانية «الآنسة بريل» للكاتبة الانجليزية «كاثرين مانسفيد» لا تخرج عن مضمون القصة الأولى من حيث العمل على بناء حكاية تعمد إلى التفاصيل الصغيرة التي تتفاعل، لتكون للقارئ هذه الرؤية عن زمن تسكنه البساطة والبدائية التي كانت بالأصل حالة معتادة في ذلك الزمن، لتخرج هذه القصة من مفهومها الخاص لامرأة معذبة وحزينة إلى عالم آخر يستطيع أن يشاركها تفاصيل حياتها من أجل أن تكون متوازنة في سلوك الطرح ومنبئة عن حالة من البوح المتوائم بغية الوصول إلى حقيقة مفادها أن الزمن واعد في التحول منذ ما يزيد على قرن من الزمن حيث كتبت هذه القصة.
-----


ما تلا من قصص في هذه المجموعة يسير على هذا المنوال الذي اختطه المترجم لعمله القصص مبينا الفكرة التي بنى عليها اختياره للنصوص التي تدور حول هموم المرأة في ذلك الزمن وفي تلك المنطقة الجغرافية من عالم كان في تلك الحقب يشهد الكثير من التحولات، بل إن المترجم القرشي كان متيقنا بأن ما انتقاه من هذه النماذج يصلح لأن يكون حالة تعريفية تشي بتحول الفن القصصي الذي خرج من كونه مجرد حكاية مكتوبة إلى عمل فني احترافي تجد فيه عناصر الكتابة القصصية المعتمدة على فضاء المكان وحالة الزمان والفكرة والأحداث واللغة لأنها بحق هي النقلة النوعية للفن القصصي في العصر الحديث.
أثبت المترجم في نهاية كل قصة نبذة موجزة عن الكاتب تشي بما قدمه من أعمال وما واجهه من مصاعب ومعوقات إنسانية ولا سيما وان العمل الأدبي غالبا ما يواجه صاحبه الكثير من المعاناة، لتكون حافزا له كي يقدم إبداعا مختلفا، فالمعاناة هي من تلد التجارب القوية والمؤثرة.
فهذه الإضمامة من الحكايات أو القصص لا شك أنها إضافة نوعية لمن يريد تتبع الحالة الإنسانية للمجتمع في البيئة الأوربية قبل عقود، وكذلك التعرف على لون فني ظل يتشكل على يدي هؤلاء الكتاب الذين انغمسوا في معاناتهم ليخرجوا بهذه الطرف والصور والمشاهد المعبرة، إذ استطاع المترجم خلف القرشي أن يقف بنا على حقيقة هذا العالم وما فيه من تحولات وقيم.


استنساخ

استنساخ ق. ق. ج ******** كثيرًا ما كان أهله ومعلمه يلقبونه حمارًا أو جحشًا لقلة فهمه. تجاوز ذلك كله، وكان من الأوائل على زملائه في المرح...