1. حمد الله في أول السورة لإنزاله الكتاب /
بدء السورة الكريمة بحمد الله عز وجل يسترعي الانتباه، وحمده هنا لإنزاله الكتاب على عبده.
وإذا كان بوسع أي شخص تأليف كتاب، فلله المثل الأعلى فكتابه ليس فيه عوج، وجعله قيما، وقنن له وظيفة ومهمة ذكرت في ثنايا السورة الكريمة؛ ( لينذر...... )، و( ليبشر..... ) الخ.
ثم أن السورة تتحدث عن الفتن، والعاصم الأكبر والأشمل والأعم والصالح لكل زمان ومكان هو ذلك ( الكتاب القيم).
نعم، كهف الفتية، وعلم الخضر، وعمل ذي القرنين، وزوال جنة ذلك الرجل، أدت وظيفة مؤقتة محدودة بزمان ومكان معينين.. لكن القرآن الكريم عاصم من كل الفتن حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ألا يستوجب هذا الفضل الحمد من الناس جميعهم، كما تفضل به الله سبحانه وتعالى مبتدئا به هذه السورة العاصمة الفريدة؟
لا بد من سؤال العارفين الربانين، وإن لم يعرفوا أو يوجدوا، فسؤال الله عز وجل العصمة والهداية والبصرية، والتمسك بالكتاب غير ذي العوج هو العاصم والمنجي لاسيما في قضيته الكبرى ( التوحيد).
إن نظرة سيدنا موسى عليه السلام لأفعال الخضر عليه السلام، تنطلق من واقع المعرفة العادية، ولكن تصرفات الخضر تنطلق من علم رباني لدني يتناسب وجو الفتن.( موضوع السورة الرئيس).
يروى أن الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لم يشارك في حرب الفتنة بين علي ومعاوية، فقيل له: ﺃﻻ ﺗﻘﺎﺗﻞ؟ ﻓإنك ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﻮﺭﻯ، ﻭأﻧﺖ ﺃﺣﻖ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻷﻣﺮ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻙ؟ ﻗﺎﻝ: "ﻻ ﺃﻗﺎﺗﻞ ﺣﺘﻰ ﺗﺄﺗﻮﻧﻲ ﺑﺴﻴﻒ، ﻟﻪ ﻋﻴﻨﺎﻥ ﻭﻟﺴﺎﻥ ﻭﺷﻔﺘﺎﻥ، ﻳﻌﺮﻑ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ)!!!
قل الله أعلم بما لبثوا).
(قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا).
تعلمنا هذه السورة الفريدة أن الجدل حول التفاصيل في كثير من الأحيان أمر لايجدي، بل هو مضيعة للوقت، و استنزاف للجهد.
إن عدد أصحاب الكهف، وكذلك مقدار مدة بقائهم رقودا في كهفهم أمران غير مهمان.
فالأمر سيان إن كانوا ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة.
وكذلك بقاؤهم ثلاث مئة سنة أو أقل من ذلك قليلا أو أكثر.
لذا ينبغي القفز فوق هذه التفاصيل الجزئية، بحثا عن الدلالة والغاية والمغزى والدروس والعبر التي تنطوي عليها هذه القصة الخالدة.
إن كيد الشيطان ضعيف دائما، ولكنه أضعف مايكون، حيال من صلحت نيته، وانطوت على خير وخيرية.
إن من اتجه إلى الله بنية صادقة، يسهل له مطلبه، ويسخر له الأخيار والأشرار، الأصدقاء والأعداء لخدمته.
كانت نية سيدنا موسى عليه السلام، أن يتعلم من الرجل الصالح: ( رشدا).( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا).
ليس كل علم ينفع، وليس كل طالب علم يبتغي ( الرشد) من التعلم، واكتساب العلم.
هناك من يتعلم ليؤذي ويفسد، ويهلك الحرث والنسل، ومن الناس من يتعلم ليتكبر ويطغى، ومنهم من يتعلم ليلحد وليصد عن سبيل الله، ومنهم من يتعلم ليزين للناس الضلال، ويروج الخبث والكذب، ومنهم من يتعلم ليحكم بالظلم! .... الخ.
النية هي التي يعول عليها دائما، ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى).
نسأل الله لنا ولكم صلاح نية، يصلح بها عملنا كله، ويسخر لنا الله بفضله، ثم بفضلها من خلقه ومخلوقاته ما يعيننا على نيل خيرها.
لماذا لم يكتف القرآن الكريم - وهو النص البليغ المبين - بالإشارة إلى واحدة من هاتين الصفتين؟
كأن يقول / أصحاب ( الكهف) فقط أو أصحاب ( الرقيم) فقط لأن المقصود هنا - كما هو واضح من سياق الآيات الكريمة - فئة واحدة فقط، وليس لفئتين مختلفتين.
يبدو لي - والله أعلم وأحكم - أن القرآن الكريم يشير لمرحلتين زمنيتين مختلفتين في حياة أولئك الفتية أنفسهم، وكل مرحلة فيها معجزة من نوع ما.
الأولى / مرحلة ( الكهف)، وهي مرحلة غياب.
الثانية / مرحلة ( الرقيم) وهي مرحلة حضور
وإن شئت قلت /
نوم مقابل يقظة.
فقد مقابل عثور.
غيب مقابل شهادة.
موت مقابل حياة( رمزيا)
سرية مقابل علانية.
جهل مقابل علم.
ظن مقابل يقين.
تخفي مقابل تجلي.
سكون مقابل حركة.
إن دخول أولئك الفتية ذلك الكهف، ومكثهم فيه ثلاثمائة وتسعة أعوام معجزة ربانية وأي معجزة!
كما إن العثور عليهم، ووضع رقيم ( كتابة / لوح / نقش ) على كهفهم ينبئ عن خبرهم، أو حتى ملاحظة ذلك ( الرقيم ) على ذلك الكهف من قبل المحيطين بهم، معجزة أخرى!
الرقيم علامة / إشارة / دلالة عليهم، ومن يدري، فلربما لولاه ما كانت قصتهم لتعلم، ويتعلم منها؟
في مرحلة (الكهف) اختفى الفتية، بينما في / مع مرحلة (الرقيم) ظهروا وبانوا للعيان.
في المرحلة الأولى اخفوا دينهم عن قومهم، وفي المرحلة الثانية ظهر وعلم.
ثم أنه ما كان يمكن لبقائهم نوما في كهفهم طيلة تلك السنين أن يكون آية ومعجزة لقومهم، ولمن بعدهم، لو لم يعثر عليهم، ( وكذلك أعثرنا عليهم)، في بدء مرحلة( الرقيم).
إن قرار اتخاذ ( مسجد) عليهم من قبل الذين غلبوا على أمرهم، يأتي امتدادا لمرحلة( الرقيم ) تلك.
لقد كانوا في رحم ( الكهف) وظلمته، لينتقلوا بعد ذلك إلى( فم ) الكتابة والاخبار، و( لسان) الذيوع والانتشار.
أليس الرحم( ظلمة) تحيط بالجنين، الذي يستقبل عند ومع خروجه من ذلك الرحم، لحظة الولادة أول( النور) ؟
وثمة بعد آخر ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار هنا، ألا وهو أن كل دعوة حق لابد لها أول أمرها أن تبدأ بمرحلة( الكهف)؛ رمز السرية والخفاء، حتى يأذن لها الله، وتتيسر الظروف لتعلن عن وجودها، وتطلب من الناس اتباعها من منطلق ( استعينوا على حوائجكم بالكتمان ).
ولنا في دعوته عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة، تلك الدعوة التي بدأت ب / في ( كهف) غار حراء، و ( ياأيها المدثر) و ( ياأيها المزمل )، وباجتماعات سرية أو شبه سرية في دار الأرقم بن أبي الأرقم.
وبعد فترة من الزمن، انتقلت إلى مرحلة ( الرقيم)؛ ( فأصدع بما تؤمر، وأعرض عن الجاهلين)، و ( إنا كفيناك المستهزئين)، ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فمابلغت رسالته، والله يعصمك من الناس ).
ومقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند إسلامه (من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، فليتبعني خلف هذا الوادي).
كل ذلك وكثير غيره كان في مرحلة ( الرقيم ).
أصحاب( الكهف) كانوا فتية صغارا غير معروفين أو مؤثرين، ولكنهم في مرحلة( الرقيم)، أضحوا رموزا وعظماء يشار لهم بالبنان، وتشيد لهم الصروح الشامخة.
لذا فعلى أي داعية للخير والحق والتغيير نحو الإيجابية والقيم الحقة، أن لايستعجل النتائج، وأن لايحرق المراحل أو يقفز فوقها.
إن قصة أولئك الفتية معجزة في مرحلة ( الكهف)، وفي مرحلة( الرقيم) أيضا، وهي أكثر اعجازا عندما يتم الجمع بين المرحلتين.
هذا والله أعلم وأحكم.
...
من وحي سورة الكهف
( مجمع البحرين / الرمز والبركة 6
................................
( مجمع البحرين ) والذي قال فيه المفسرون - على خلاف بينهم - إنه اسم علم لمكان، وهو أيضا رمز لالتقاء عالمين؛ قطب الشريعة في ذلك الحين، نبي الله موسى عليه السلام، وقطب الحقيقة حينها، العبد الصالح / الخضر عليه السلام.
ويبدو لي والله أعلم أنه اسم لمكان مبارك فعلا، وتجلت بركة ذلك المكان في جانبين مهمين هما /
1. عودة الحياة للحوت - عند تلك النقطة - أو على الأقل، عودة الحوت لرحمه / موطنه الأول( البحر).
وقد ذكر بعض المتدبرين في كتاب الله عز وجل أن استخدام موسى عليه السلام لمفردة ( غداءنا)، تعد دليلا على أن الحوت الذي كان يحمله غلام موسى، جاهزا للأكل، ومن يدري فلعله كان مطبوخا أو مشويا،
ثم إن عبارة ( اتخذ سبيله)، تشي بنوع من الحياة، بينما مفردة( عجبا) التي اعقبتها تدل على حدث مثير وعجيب، وربما خارق للمألوف.
2. عثور موسى عليه السلام بعد عودته إلى تلك المنطقة على بغيته ( العبد الصالح / الخضر ) عليه السلام هناك.
وكون ذلك الرجل صالحا، وأتاه الله رحمة وعلما
( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)، فتواجده في ذلك المكان تلك اللحظة، ينبئ عن( بركة )، و( طاقة) عظيمة أودعت فيه من قبل رب العالمين.
وربما كان ذلك المكان قريبا من الجبل الذي تجلى فيه الرب عز وجل لموسى عليه السلام، عندما سأله موسى النظر إليه، وربما كانت بركة وطاقة ذلك المكان، مستمدة من النور الإلهي العظيم الذي رافق تجليه عز وجل.
وقد يكون قريبا من الطور أو الوادي المقدس( طوى ).
( اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ).
وأيا كان، وحيثما كان فهو مكان مبارك.
ولعلنا نستأنس هنا بالتقاطة سابقة لموسى عليه السلام، حيث توقف عند الفتاتين( ابنتي شعيب ) عليه السلام، عندما وجدهما تذودان، ولاتسقيان غنمهما... الخ القصة.
فكم من شخص مر عليهما هناك قبل موسى، ولم يسترعه الأمر.
عندما التقط الإشارة هناك، كأفأه الله تعالى بأن منحه فرصة اللقاء بنبي الله شعيب، الذي طمأنه من النجاة من القوم الظالمين، ووجد عنده زوجا له، وعمل يقتات منه.
أما عندما التقط الإشارة هنا، فكافأه المعطي الكريم بالعثور على من مايبحث عنه؛ العبد الصالح ليتعلم منه دروسا مباشرة وغير مباشرة.
وهناك التقاطة منه عليه السلام عندما أنس/ أحس/ أبصر النار.
...................................
من وحي سورة الكهف 7
( النبي صلى الله عليه وسلم في أول السورة ووسطها وختامها).
............
لعله مما يستوقف نظر المتأمل والمتدبر في هذه السورة العظيمة، ذكر الله عز وجل لرسولنا صلى الله عليه وسلم في أول آية منها، وفي آخر آية كذلك، كما أنه يذكر أيضا في عدة آيات أخر داخل السورة.
أول آية (الحمد لله الذي أنزل على "عبده“ الكتاب....).
آخر آية(قل إنما أنا" بشر“ مثلكم........).
إن مفردة(عبده)، تشير ضمن معانيها ودلالاتها المختلفة إلى معنى(الاصطفاء)، و(التكريم)، و(التشريف).
يقول الشاعر /
ومما زادني شرفًا و تيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريـا
دخولي تحت قولك: ياعبادي وأن صيَّرت أحمد لي نبيـا
ولكن رغم الاصطفاء والتشريف له، كونه آخر الأنبياء عليهم السلام، ألا إن آخر آية تطلب منه أن يعلن للناس كافة أنه (بشر)، مثلهم يوحى إليه.
فلماذا هذا التأكيد الذي كان الكلمة الفصل، والمسك الختام في نهاية هذه السورة؟
يبدو لي - والله أعلم وأحكم - أن ذلك تعليم للأمة، ودرس قرآني لها - حتى تقوم الساعة-؛ أن لاتغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاتطره، ولاتقدسه لذاته - كما فعلت الأمم السابقة مع رسلها، وأنبيائها، والصالحين من أقوامهم، حتى أن بعضهم عبدوهم مع الله عز وجل، وبعضهم عبدوهم من دونه.
وفي يقيني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بالتوجيه القرآني العظيم على مختلف الأصعدة.
ألم يكن عليه الصلاة والسلام (قرآنا) يمشي على الأرض؟ لايتسع المقام هنا لذكر صور من تواضعه لدرجة أن الأعرابي كان يأتي يسأل الصحابة ورسول الله بينهم: (أيكم محمد؟)، والرسول متكئ بين ظهرانيهم!
ألم يقل (.... إنما أنا ابن إمرأة كانت تأكل القديد بمكة)!.( على خلاف في صحته).
نقطة أخرى أن ذلك يتسق ويتماهى مع موضوع السورة الرئيس، و قضيتها الكبرى (التوحيد).
إن بشريته عليه الصلاة والسلام التي ختمت بها السورة صراحة، - لتستقر في الأذهان، وترسخ في الأفهام- قد تمت الإشارة إليها ضمنا في ثنايا السورة، من خلال خطاب الله عز وجل لرسول الكريم أمرا ونهيا، توجيها وعتابا/
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا).
(ولاتَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا).
( وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا، وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).
...............................
من وحي سورة الكهف 8 / قتل الغلام / سؤال ودرس! ( الجزء الأول )
*********
( فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا).
..........
( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)
...........
أثير ومايزال تساؤل حول قتل الرجل الصالح/ الخضر عليه السلام للغلام؛ تلك النفس الزكية التي لم تبلغ سن التكليف بعد، والتي أزهقت بغير حق -في ظاهر الأمر- وما سؤال واستغراب سيدنا موسى عليه السلام لذلك الصنيع الذي أقدم عليه الخضر إلا أول إثارة لتلك القضية.
(قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا).
وقد رد أهل العلم قديما وحديثا على هذه الشبهة من زوايا مختلفة، ولكل زاوية منها في الأعم والأغلب معقوليتها ومنطقيتها ومرجعيتها.
إن كون ذلك الفعل الذي أقدم عليه الخضر رغم بشاعته الظاهرية كان بأمر من الله عز وجل (ومافعلته عن أمري)، يرد الشبهة؛ فالله وحده هو مانح الحياة، وهو أيضا منهيها وقاطعها متى ماأراد (يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير).
ثم إن الكون كله ملكه سبحانه (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون).
لله المثل الأعلى، وإلا فمن يعاند سيدا في ملكه؟!
العدالة الإلهية هنا لايبحث عنها بمعزل عن العلم الإلهي الأزلي؛ فقد سبق في علمه سبحانه - عالم الغيب والشهادة - أن هذا الغلام سيرهق والديه الصالحين طغيانا وكفرا؛ فهو عز في علاه العالم بما كان ويكون، وهو العالم أيضا بمالم يكن لو كان كيف سيكون.
حدث هنا قتل/موت لشخص واحد قاصر مقابل حياة طيبة لشخصين بالغين ناضجين، ويمكن أن يمتد الأمر إلى نسلهما وأحفادهما من بعدهما جيلا تلو آخر.
ويبقى السؤال:
ماذا عن الغلام المقتول نفسه؟
بالمعايير البشرية القاصرة والمحدودة فإن ذلك الغلام قد ظلم!
لكن هذا الأمر ينطبق في حالة واحدة فقط؛ وهي عندما تكون هذه الحياة الدنيا هي كل (الحكاية)! وهذا ليس بصحيح البتة.
فهذه الحياة كما يعرف كل ذي لب دار (ممر) لا (مستقر).
(وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)!
ومن يدري... ماذا أعد الله لهذا الغلام في آخرته؟ لعل الله أراد به خيرا بهذا الصنيع (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) وقد يعوضه الله بحياة أبدية، يكون فيها خالدا مخلدا في فسيح جنانه، وينسى ماحدث له في دنياه، عندها يتمنى ملايين من الإنس والجن لو كانوا مكانه.
ولنا في أمنية الشهداء في سبيل الله تعالى عند ربهم عظة وعبرة؛ حيث يتمنون أن يعيدهم الله إلى الحياة الدنيا ثانية، فيقاتلون في سبيله، ويقتلون؛ وذلك لما رأوا من عظم أجر الشهادة في سبيل الله، وثواب الشهداء.
ولعل في قتل ذلك الغلام رحمة له نفسه، ونجاة من حياة ملؤوها الشقاء والعناء، و ختامها سوء عاقبة، وخاسر مآل.
وربما لو قدر للغلام الحياة لأتى إليه من يقتله، أو لقتل هو نفسه.
الموت مصير كل حي، سواء كان بيده أو بيد غيره، أو نتيجة مرض أو زلزال أو حرب أو جوع... الخ.
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره /
تعددت الأسباب والموت واحد.
وهنا يحضرنا قوله تعالى :
(ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سييلا).
أما القيمة التي يمكن أخذها من حادثة قتل الغلام فسنحوم حول حماها الأسبوع المقبل بمشيئة الله تعالى إن كتب لنا البقاء واللقاء.
............
من وحي سورة الكهف 9
قتل الغلام! السؤال والدرس ج 2
خلف سرحان القرشي
...................................
نأتي اليوم للحديث عن الدرس / الدروس التي يمكن استفادتها وتعلمها من حادثة (قتل الغلام).
قد يتبادر للذهن أن الدرس متعلق فقط بنبي الله موسى عليه السلام كونه هو طَالِبُ العِلم من المُعَلِم / الرجل الصالح / الخضر عليه السلام.
ولكن - والله أعلم - أن بوسع أي شخص أن يتعلم درساً أو أكثر من ذلك الحدث اللافت للاهتمام.
ومن تلك الدروس قتل التعلق بأي شخص/ شيء يصد عن سبيل الله عز وجل، ووحدانيته وعبادته.
من رحمة الله بوالِدَيِّ الغلام أنه سبحانه وتعالى أمَر الخضر ليقتله؛ لكي لايرهقهما طغيانا وكفرا.
ومعروف عادةً أن تعلق الأبوين بأبنائهما هو من أعلى درجات التعلق، وعندما تقضي الإرادةُ الإلهيةُ بقتل هذا الغلام حفاظاً وحمايةً للدين، فالمسألةُ تستحق التوقف، وتستدعي مزيداً من التأمل.
وعندما نقول بــ (قتل التعلق)، فإننا لانعني أن يقوم أي والدٍ بقتل ولده، أو أي ولدٍ بقتل والَدِهِ مظنةَ أن التعلق به يصد عن سبيل الله، كما يفعل الدواعش، ومن هم على شاكلتهم في الضلال، شرعةً ومنهاجاً.
الخضر في الأعم والأغلب لن يأتي ثانية بعلم لَدُنِيٍ، ويقوم بقتل أي غلام أو شخص أصالة، أو وكالة عن فلان أو علان، كما أنه لن يُبْلِغْ أحدا بضرورة قتل أحدٍ لذات الغرض!
الشرائع السماوية كلها تعظم حرمة النفس الإنسانية، ولا تبيح سفك دمها إلا بحق بين صريح وواضح محدد ومعلوم سلفا، يحكم به قاض مؤتمن عالم بأحكام الشريعة، أو أن يكون قتلها دفعا لاعتداء لم يكن بالامكان تلافيه، أو نحو من ذلك.
وطالما أن الحالة هذه، فكيف لنا أن نقتل التعلق؟
قتل التعلق يكون بقتله في سويداء القلب، وحنايا الروح، وجوانح المشاعر وليس غير، انطلاقا من قوله تعالى (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ.... ).
وقوله تعالى:
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عظيم).
ومن قوله تعالى: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ ..).
قتل التعلق أيضا محدودٌ، ومقيدٌ بالتيقن من أن بقاء ذلك التعلق مفضٍ، ومؤدٍ لامحالةَ إلى صدً وكفرٍ وإعراضٍ عن سلم الهداية والرشاد الذي أعلى درجاته التوحيد.
والأنبياء عليهم السلام، لم يكونوا بدعاً من الناس في الابتلاء بالتعلق، فهاهو سيدنا نوح يتعرض لاختبار رباني:
(وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ).
فالله حذر نوحا عليه السلام من التعلق بابنه الكافر، ونوح تاب وأناب.
وسيدنا إبراهيم، وابنه إسماعيل عليهما السلام عاشا هذا التحدي الإيماني العسير، ولكنهما بعون الله تعالى، ثم بقوة إيمانهما تجاوزاه.
قال تعالى:
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ).
كاد تعلق سيدنا نوح عليه السلام بابنه، أن يضر به، بينما تحرر سيدنا إبراهيم عليه السلام وابنه من التعلق، عاد عليهما بخير عظيم.
وتعلق يعقوب عليه السلام بابنه يوسف مشهور ومعروف.
والتعلق المذموم والمنهي عنه لا يقتصر فقط على تعلق الآباء والأمهات بأبنائهم أو العكس، بل يمتد لصور شتى ومنها المال والجاه والمنصب والمكانة الاجتماعية ونحو ذلك.
قال تعالى:
(قل إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين).
وفي كل زمان، و زماننا هذا بالذات - فيما نعلم - كثر التعلق بعروض الدنيا؛ ضرورات وكماليات، وكثر بذلك الإعراض عن سبيل الله وهديه، وبالتالي ظهر الفساد في البر والبحر.
فكم من مسؤول يرتشي، وكم من إمرأة تبيع عرضها مقابل عرض زائل من عروض هذه الحياة الفانية.
ولو تم الإجهاز على هذا التعلق مسبقا، لما آلت الأمور إلى كل هذه المآلات السيئة.
(ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ ).
سورة الكهف العظيمة، تتحدث عن فتن مختلفة، ومن تلك الفتن فتنة(التعلق) على إطلاقها، وتلك لعمري فتنة وأي فتنة!
ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن علماء النفس وأطباءه، وكثير من رواد التنمية البشرية، والبارعين في فنون التطوير الذاتي، يحذرون من كثير من أشكال التعلق، ويصفونها ب (المَرَضِيَّةِ)، ويؤكدون على حقيقة القول (أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما).
ولذا لم يكن عجبا، أن قراءة هذه السورة أو بعض آياتها يقي المسلم من فتن عظيمة حاضرة وقادمة، والتعلق واحدة من تلك الفتن، بل قد يكون قاسما مشتركا فيها جميعا.
كفار قريش كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية، ولكنهم رفضوا توحيد الألوهية، وهم قاب قوسين أو أدنى منه، وما ذلك إلا لأنه ينسف مصالح لهم، تعلقت بها قلوبهم، ومنها أموال التجارة والسياحة الدينية - إن صح التعبير - التي كانت تدر لهم دخلا وصيتا، وتمنحهم إيلافا يؤمن قوافلهم في رحلتي الشتاء والصيف.
إن مصالحهم تلك، وتعلعقهم بها جعلهم يسمحون لكل قبيلة أو مجموعة من الناس وضع أصنامهم وأوثانهم بجوار الكعبة المشرفة بيت الله الحرام.
ثم إن اتباعهم ودخولهم في الدين الإسلامي- فيما لو حدث-، سوف يطوح بمعايير السيادة والعزة المغلوطة التي يتباهون بها أيما مباهاة، ومنها أصالة الحسب والنسب، وكثرة العيال والمال، والتي يتعلقون بها ويقدسونها كثيرا. كما أن قيم الإسلام الحق - فيما لو اتبعوه - يجعل (الملأ) منهم على نفس الدرجة الاجتماعية - إن لم يكن أدنى - مع بلال بن رباح الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر وأمه وأبيه وغيرهم كثير، حيث ( أكرمكم عند الله أتقاكم).
وهكذا نرى خطورة التعلق الفاسد، كيف يصد عن الحق المبين.
ونختم هذا المقال بدعوة القارئ الكريم للتأمل في آية أخرى من آيات هذه السورة، تتسق وموضوع التعلق، وهي قوله تعالى موجها نبيه عليه الصلاة والسلام، والأمة من بعده:
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا).
نسأل الله السلامة والعافية والثبات على الرشد.
.........
10. من وحي سورة الكهف 10( فتية / غلام / غلامان )
خلف سرحان القرشي
...................................................................................
لعل مما يسترعي انتباه المتأمل في آيات هذه السورة العظيمة وجود كلمات (فتية / غلام / غلامان)، وهذه المفردات رغم تعدد معانيها، يجمعها اشارتها إلى مرحلة عمرية هي مرحلة الشباب، وإن شئنا الدقة فهي مرحلة بدء الشباب، والسؤال لماذا تطرقت السورة الكريمة في ثلاث مواضع مختلفة لهذه المرحلة؟
إن مرحلة الشباب، هي ربيع العمر، وزهرة الحياة، ولذلك هي مرحلة مهمة في حياة الإنسان، وبالتالي في حياة الأمة، وقد وصفها ببلاغة ذات زمن الكاتب (فتحي يكن) رحمه الله بقوله /
( في الحقيقة إن الشباب هو سن الهمم المتوثبة والدماء الفائرة والآمال العريضة... سن العطاء والبذل والفداء.. سن التلقي والتأثر والانفعال).
إن في صلاح الشباب - لاسيما - في أول نبته - خير عظيم، وفي فساده شر مقيم.
( إذ أوى الفتية إلى الكهف، فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهئ لنا من أمرنا رشدا).... الخ الآيات الكريمة.
الفتية الذين فروا بدينهم ووحدانية خالقهم إلى الكهف كانوا سببا - والله أعلم وأحكم - بفضل الله في تحول مدينتهم بل دولتهم فيما بعد إلى التوحيد.
تلك المدينة / الدولة التي اضطرتهم مرغمين للفرار إلى الكهف، نحسبها أنها استقبلتهم استقبال الأبطال الفاتحين المظفرين، عندما أعثر الله عليهم، وعلم الناس بأمرهم، أما بعد موتهم فقد أقامت على أضرحتهم مسجدا تكريما لشأنهم، وتقديرا لجهادهم، وإعلاء لذكراهم.
البذرة الأولى (بذرة الإيمان) كانوا هم من زرعها، وإن شئت فقل إن محنتهم الإيمانية العظيمة - التي اضطرتهم للفرار - هي الماء الأول الذي سقيت به تلك البذرة، - وهل ينسى الورد أول ماء سقي به؟ أما ثقتهم بربهم، ونواياهم الطيبة فكانت بمثابة الشمس والهواء والغذاء لتلك النبتة.
من يدري؟ ربما بعد فرارهم، تساءل أهلهم وذويهم ومحبيهم عن أمرهم، ولماذا رحلوا، وأين ذهبوا، وهل مازالوا أحياءا أم أنهم في عداد الأموات، وإذا كانوا أحياءا، فمتى سيعودون؟ وماذا سوف يكون مصيرهم؟
ربما - ولا نجزم - ولكن عطفا على الطبيعة البشرية في كل زمان ومكان، قد يكون تم طرح وتداول أسئلة من هذا القبيل، وفي البدء كان السؤال!
ولعل تلك الأسئلة صعدت وأثارت قضايا الإيمان والكفر / التوحيد والوثنية / الحياة والموت، ولو على نطاق ضيق، وبشكل سري، وعلى خوف من رؤوس الوثنية، وملأ الكفر، وأئمة الفساد.
ولعل الإيمان - بعد كل تلك الأسئلة - بدأ يسكن شيئا فشيئا في نفوس آخرين من أهل تلك المدينة، وبدأ يأوي إليها كما تأوي الحية إلى جحرها، حتى غدت مملكة إيمانية خالصة بعد ثلاث مئة سنة، ويمكن قبل ذلك.
تلك النبتة - ممثلة في أولئك الفتية- أينعت وازهرت وأثمرت، وتواصلت الدورة بأمر الله، فالنبتة لم تعد وحيدة، بل تكاثرت، والبذور ازدادت، وأمتلات المدينة عن بكرة أبيها بأشجار الإيمان المورقة المزهرة الطيبة المباركة، وارفة الظلال، عظيمة الأفياء.
وفي هذا درس للبشرية أن القليل كثير، وأن الفكرة في حد ذاتها ذات جذب بأمر ربها، وسوف تؤتي أكلها ولو بعد حين.
بضعة فتيان يؤمنون حد الاستشهاد في سبيل قضيتهم المقدسة، يكونون بأمر الله سببا لتحول دولة بأكملها من الوثنية إلى التوحيد بما فيهم ملك/رئيس تلك الدولة، ورجالاتها الغالبين على أمرها.
أليس هذا هو واقع وحال الأنبياء، والرسل، والمصلحين، ودعاة الحق والخير والهدى عبر التاريخ.
في البدايات نجد (فما آمن معه إلا قليل)، حاضرة بقوة، وبعد ذلك نجد (إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في سبيل الله أفواجا) واقعا حيا متجسدا على الأرض، متجليا في أرجاء المعمورة.
وفي البداية نجد قوله صلى الله عليه وسلم مواسيا ومعزيا بصدق ويقين:(صبرا آل ياسر، إن موعدكم الجنة)، وفي النهاية نجد تعبير (أبي سفيان) - مندهشا- يوم فتح مكة، عندما رأى أعداد المسلمين العظيمة، بقوله للعباس بن عبد المطلب: (لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما!).
وليته رضي الله عنه، لم يقل(ملك)، فما رأه آنذاك يتجاوز معايير الملك البشري إلى(نصر الله والفتح).
في الأسبوع القادم إن شاء الله، نواصل الحديث عن هذه القضية تقاطعا وتكاملا مع مفردتي( غلام) و(غلامين).
نسأل الله السداد والتوفيق وأن يعلمنا ماينفعنا، وينفعنا بما علمنا إنه وحده العالم العليم المعلم سبحانه وتعالى.
من وحي سورة الكهف 11. (فتية / غلام / غلامان) 2
خلف سرحان القرشي
.....................................
تحدثنا في الأسبوع الماضي عن أهمية الشباب، من وحي سورة الكهف تأثيرا وعناية، وتوقفنا مليا عند مفردة (فتية)، وكيف أن فتية الكهف كانوا بعد الله سبحانه وتعالى - بشكل أو بآخر - سببا في تحول مدينتهم /دولتهم من الوثنية إلى التوحيد، وقلنا:
(إن في صلاح الشباب - لاسيما - في أول نبته - خير عظيم، وفي فساده شر مقيم).
ونستكمل الحديث اليوم عن نفس المحور، مستأنسين بالحديث عن (الغلام) الذي يقتله - بأمر الله سبحانه وتعالى - الخضر/ العبد العالم المعلم، خشية أن يرهق والديه طغيانا وكفرا.
قال تعالى:
(فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا).
وقال تعالى:
( وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا. فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا).
وتطرقنا في حلقة سابقة إلا أن الأسلوب الأنجع في التعامل مع مثل هذه النوعيات من الشباب هو في قتل التعلق بهم من قبل الوالدين والأقربين، وكل من يمت لهم بصلة، وذلك بعد أن تبوء كل محاولات توجيههم وإصلاحهم بالفشل.
في الطرف النقيض لذلك الغلام، نجد السورة الكريمة تتحدث عن (غلامين) يقيم لهما الخضر جدارا يريد أن ينقض دون أن يأخذ مقابل ذلك أجرا؛ وذلك لأنهما يتيمان، وتحت الجدار كنز لهما، وأبوهما كان صالحا.
قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا).
وقال تعالى:( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ...).
إن حالة الغلام الأول الذي قتله الخضر تؤكد -كما ذكرنا سابقا- أن في فساد الشباب شر مقيم على أنفسهم، وأهلهم، وذويهم، ومجتمعهم، بل وعلى الإنسانية عموما.
لذا يجب استصلاح الشباب، وقتل كل بذور الفساد، و دواعي الشر إن وجدت فيه قبل أن تتمكن في نفسيته، وتتغلغل في جوانحه، وتصدقها جوارحه.
الغلام هنا تأكد فساد سريرته، وسوء نواياه، وخشي من تفاقم ذلك، وانعكاسه على إيمان والديه اللذين لم ينشأ هذا الغلام على صلاح مثل صلاحهما وهذا يحدث أحيانا وإن كان بخلاف السائد والأعم، ولعل ابن سيدنا نوح عليه السلام، مثالا على ذلك:
(وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
أما في الحالة الثانية، فالغلامان هنا في الأعم والأغلب هما مظنة الصلاح -والله أعلم- عطفا على صلاح أبيهما، وهذا هو المشهور والسائد:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا / على ماكان عوده أباه
ومثل هذين الغلامين محتاجين للرعاية والاهتمام والدعم، وما إقامة الجدار على كنزهما المخبوء حفاظا عليه، إلا عون لهما على النجاح والفلاح، وشق طريقهما في الحياة، وذلك بعد أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما.
إن كل قادر فردا كان أو مؤسسة، ملزم/ة بمساعدة الشباب في الحفاظ على كنوزهم المخبؤة، واستخراجها في الوقت المناسب بمقابل إن تيسر، وبدون مقابل وهذا أفضل وأنبل.
ونزعم أن في أعماق كل شاب كنزا ثمينا، يحتاج من يحافظ عليه له، ويساعده على استخراجه عندما يبلغ أشده، ويكون أهلا لاستثماره والانتفاع به لنفسه أولا، ونفع الآخرين به ثانيا.
أليست الموهبة الفذة في أي مجال كنز بل كنوز، فيها منافع للإنسانية، وإسهام في عمارة الأرض؟
تلك الموهبة كامنة في أعماق كثير من الشباب في كل زمان ومكان.
إن ماتقوم به اليوم مؤسسات ومراكز تعنى بالشباب، وتنمية مواهبهم المختلفة، وتطوير قدراتهم، هو مشابه لصنيع الخضر عليه السلام مع جدار الغلامين.
لو ترك الخضر الجدار دون إقامة، فسينقض بحكم عامل الزمن، ونفس الأمر ينطبق على الشباب المبدعين وما أكثرهم عندما تترك مواهبهم وقدراتهم دونما حفظ وعناية وتشجيع ودعم، فإنها تتلاشى وتتضاءل إلى أن تزول، وتصبح أثرا بعد عين.
نحسب -والله أعلم- أن الغلامين اللذين أقام لهما الخضر الجدار؛ ليحفظ كنزهما إلى حين قد صلح حالهما، ونحسب أن ذلك الكنز كان معينا بعد الله عز وجل لهما على الصلاح، وتمتد بذلك دورة الصلاح من الأسلاف إلى الأحفاد، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ونفس الشئ يمكن أن يقال عن قيام المربين والتربويين والقائمين على أمور الشباب بدورهم في استخراج الدرر الكامنة في نفوس الفتية، والذين بدورهم سوف يؤدون رسالتهم تجاه أبنائهم، وهلم جرا.
ختاما ماأجمل أن يكون كل منا خضرا يقيم ويبني بأمر ربه، وعلى هدي من كتابه الكريم، ومنهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، وطرائق الصالحين الراشدين في كل زمان ومكان.
.......
لمطالعة الحلقات السابقة، هذا الرابط:
https://oktob.io/qkhalaf2
................................